تصريحات صاخبة محمولة على تلويح باستخدام القوة مُؤكدة عدم التراجع عن المواقف «والإجراءات» المُعلَنة, تلهج بها أَلسِنَة أصحاب القرار في كل من أنقرة واثينا، وسط صمت «مُدوّ» لإدارة ترمب عن الكلام, وفيما «يُواصِل» ستولتنبرغ أمين عام حلف الأطلسي دعوته لاحترام القانون الدولي, دون «التذكير» بدور الناتو وتطبيق مواد معاهدته المُلزمة للدول الأعضاء، الأمر الذي يعكِس ضمن أمور أخرى, مدى الشلل الذي أصاب «الحلف» بعد أن اعتبره ترمب من الماضي وبعد أن سخّره لخدمة الاستراتيجية الأميركية التي ترى روسيا والصين «العدُويّن» الأكثر خطورة على مصالحها وأمنها القومي. ولهذا راح يوظف الخلافات بين موسكو وبعض دول أوروبا الشرقية مثل بولندا ورومانيا من أجل نصب المزيد من الصواريخ الاستراتيجية قصيرة المدى ومنظومات الدفاع الجوي المتقدمة مثل THAAD ونقل المزيد من الجنود الأميركيين من ألمانيا إلى الدول المحاذية للحدود الروسية.

حلف الأطلسي مشلول بقرار أميركي, ولا يتدخّل (سوى بالتصريحات غير الفاعلة), الأمر الذي يتجلّى في الطلب اليوناني من مجلس الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي, عقد اجتماع طارئ لمناقشة «استفزاز تركيا المُتصاعد وأخطائها».

ليس للاتحاد الأوروبي مخالب سوى التلويح بفرض عقوبات على تركيا، ولهذا لن تكون لقراراته الأهمية والتأثير اللذيْن بمقدور «الناتو» إحداثهما في الصراع بين عدوين لدودين تاريخيين (رغم عضويتهما الأطلسية), والذي لا يمكن فصله عن «إرث» دموي قديم منذ ما قبل سقوط القسطنطينية (أسطنبول لاحقاً) في يد الغُزاة العثمانيين وصولاً إلى إنهيار الإمبراطورية العثمانية نفسها وتداعيات التصفيات «الدموية» المتبادَلة, بما في ذلك تبادل السكان بين تركيا الأتاتوركية واليونان بعد اتفاقية لوزان قبل مائة عام 1923، محمولة على شعور تركي بـ"الغبن» وبخاصة تبعية الجزر القريبة من السواحل التركية لليونان وهي موضع الخلاف المرير. إذ تقول اثينا إن ما تقوم به سفينة المسح الزلزالي التركية «عروج ريس» قبالة سواحل جزيرة «كاستيلوريزو» هو اعتداء على مياهها الإقليمية, فيما ترد أنقرة أنها تمسح زِلزاليّاً في «جرفها القاريّ» وستقوم بإصدار تراخيص لإجراء عمليات بحث وتنقيب في مناطق جديدة من الجزء الغربي من الجرف القاري التُركي.

مولود شاويش أوغلو يقول: إن «تصميمنا مُطلق، وسندافع عن حقوق تركيا في شرق المتوسط، ولن نتنازل بأي شكل عن هذا»، وان كان الرئيس التركي أبدى لهجة تَصالحية (أقرب الى المناورة) في خطاب له إلى «الأُمَّة» قائلاً: «فلتجتمع دول المتوسط جميعاً لإيجاد صيغة تحمي حقوق كل بلد»، لكنه أضاف:"لا يُمكننا السماح لِـ(دول) بتجاهُل دولة كبيرة مثل تركيا وأن تسعى لسجننا في شواطئنا».

المشهد مُعقَّدْ لكن ليس بالنسبة لتركيا على الأقل, كونها قرَّرت ومنذ أحكم أردوغان قبضته على السلطة بعد ما وُصِف الانقلاب الفاشل في العام 2016 إعتماد القوة العسكرية والتحالف مع الإرهابيين الذين استقدمتهم لسوريا ووظَّفتهم في ليبيا حيث النفط والاحتياطي الضخم من الذهب في خزائن حكومة السراج, لتوسيع نفوذها على طريق استعادة أمجاد الدولة العثمانية الغابرة.

فهل تلقّى بالفعل ضوءاً أخضر أميركياً للمضي قُدماً في مُخططه؟

الانتظار لن يطول..

kharroub@jpf.com.jo