من المؤسف أن الدولة العربية الحديثة، لم تتمكن من ترسيخ مفهوم المواطنة الحقيقية، بحيث يتساوى أبناء الدولة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن دينهم وأصولهم، وهو ما جعل الثنائيات «الطائفية والمذهبية والعرقية» قنبلة قابلة للانفجار في حال توفر لها الفتيل.

هناك أزمات إقليمية تعيشها المنطقة، والتدخلات كثيرة والمتربصون كثر، والدول العربية تتربص ببعضها وغيرها يتربص بها، والشواهد كثيرة، وغالباً ما يلجأ المتربصون إلى استخدام أكثر القضايا قابلية للاشتعال، كالثنائييات والدول العربية تعج بها بحكم تركيبة البنى الاجتماعية، فهناك المسلم والمسيحي، والعلوي والسني، والشيعي والسني، وبالإمكان استثارتها بسبب تدني الوعي وتخلف الدولة العربية عن ركب الدولة المدنية.

ولم يتوقف الأمر عند حد الثنائيات الكلاسيكية، بل تجاوزه منذ زمن إلى تشظية المجتمعات إلى ثنائيات صغيرة كشرقي وغربي وشمالي وجنوبي، وابن مدينة وقرية، وابن قبيلة كبيرة وأخرى صغيرة، والقائمة لا تنتهي. لكن الأهم أن الدول المتربصة غالباً ما تستعين بعملائها في داخل البلاد وخارجها، فتدفعهم إلى رفع شعارات تجتذب شرائح واسعة كالعدالة والحرية، والرفاه، والحق في العيش الكريم.

غالبية الدول العربية فيها ثنائيات من السهل استثماراها، بل إنها كرستها للاستخدام الخارجي بقصد او بجهل منها، فالمواطن فيها لم يكن يوما شريكا في القرار السياسي والاقتصادي، بل كان ضحية لهما على الأغلب، وبالتالي من السهل اقتياده إلى تحطيم وطنه بيده، وهو على اعتقاد بأنه يسير باتجاه التغيير والاصلاح ونيل الحقوق، فلا يستيقظ من غيبوبته إلا على وطن محطم، تتناحر فيه الطوائف والملل، يقتل بعضها بعضا، وقد يجد نفسه لاجئا في رعاية الأمم المتحدة، في هذه الدولة او تلك، يبيت في العراء بانتظار خيمة لجوء، ويمد يده لمعونات الدول التي استخدمته كأداة لتخريب بلاده.

لعل أوضح الأمثلة على ذلك، ما أعلنه الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش في عام 2003 من أن الشعب العراقي العظيم يستحق أن ينعم بالديمقراطية، ولا بد من التخلص من «الديكتاتور صدام حسين» لتحقيق هذا الهدف، فقال في خطاب إعلان الحرب على العراق في 19 آذار بأن هذه الحرب: «من أجل تقويض قدرة صدام حسين على شن الحرب، و«لتحرير شعب العراق، ولحماية العالم من خطر قاتم محدق».

وسرعان ما أنهار العراق أمام ضربات القوات الأميركية، وجرى تفكيك الجيش وكل مقومات الدولة، وتركت البلاد تعيش فوضى عارمة تقتل فيه الطوائف بعضها، وعانت انهياراً اقتصاديا لم تشهده طوال تاريخها الحديث، ولم ينعم الشعب العراقي بالرفاه والديمقراطية وتبخرت آماله ادراج الرياح، والعراق ليس مثالا متفردا فيمكن النظر إلى ما تعانيه ليبيا واليمن وسوريا.

إذن، من الخطط البديهية في تفكيك الدول استهداف رمز في الدولة وشيطنته، وسلخه عن أبناء شعبه ككل واحد، وحصره في فئة أو طائفة، لتفكيك شعب ودولة آمنة مستقرة، تحت شعارات العدالة والحرية ومحاربة الفساد.

الدولة العربية الحديثة يقع على كاهلها تفويت الفرصة على أعدائها وتثبت أعمدة البنى الداخلية، بأن توزع قيم التنمية على جميع مواطنيها، وترسخ العدالة وتحارب الفقر وتفسح المجال الحقيقي أمام المشاركة في صناعة القرار.

الدولة العربية الحديثة عليها أن تسلخ مواطنيها من الانتماء إلى الهويات الفرعية كالطائفة والعشيرة والعرق إلى الانتماء لوطن للجميع بدلاً من ترك مواطنيها نهبا لشعارات ظاهرها البناء وباطنها الدمار والخراب.

Jamal.shtawi@alrai.com