حطّ أمين عام الجامعة العربية في العاصمة اللبنانية المنكوبة بعد أيام من وقوع الفاجعة, التي ما تزال ارتداداتها تتوالى فصولاً وانقسامات وصراعاً ضارباً بين الطبقة السياسية الحاكمة, وخصوصاً تلك التي تخشى فتح ملفات الفساد والهدر والسرقة التي أوصلت لبنان إلى ما هي عليه الآن, من فقر وبطالة ومديونية وانهيار كامل في المرافق العامة وأبسط الخدمات الأساسية.

معالي الأمين ذهب إلى بيروت لِـ«التضامن», فيما وصل رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل لأجل «المُساعدة».. وشتّان بين الكلمتين من فرق في المعنى والهدف, وبخاصة اذا اضفنا إلى كل مفردة فيهما التصريحات التي أدلى بها كل منهما (مُنفرداً بالطبع). إذ واظب أبو الغيط على تكرار تصريحاته الكلامية التي لا تفيد اللبنانيين (كما كل مواطن في أي دولة عربية تعرّضت لعدوان أو كارثة طبيعية أو جائحة أو عصفتْ بها حرب داخلية أو شُنّتْ عليها) إذ أعاد العبارات ذاتها التي جاءت طويلاً وكثيراً على ألسِنة «أمناء» سبقوه لهذه الجامعة, التي لم تجمع ذات يوم أو يقف أمينها على الحياد في أي صراع أو خلاف عربي/عربي, بل خضعت للعبة المحاور العربية المعروفة منذ سبعة عقود ونيف.

"الجامعة العربية بـِ(إمرة) «لبنان وكل ما يطلبه من احتياجات» قال أبو الغيط, وكأني به يريدنا تصديق هذا الاستعراض الكلامي الذي لا سند له على أرض الواقع, وبخاصة في جامعة تنخرها البيروقراطية وتعبث بها عواصم نافذة وترتهنها فقط لإطلاق تصريحات تدافع عن سياساتها, التي لا تلقى «إجماعاً» لدى الدول الأعضاء...(الإجماع في قرارات الجامعة إجباري لتبنّي أي قرار أو مَوقف).

ثم أضاف في حماسة لا يُقرّها واقع الجامعة: انه «سيسعى لحشد الطاقات العربية لتقديم الدعم الى لبنان»، ولم يلبث أن وقع في التناقض وربما كان ضحية الافراط في الحماسة وتصديق أنه في موقع المُقرِّر والقادر على ترجمة التصريحات إلى أفعال: الجامعة «مُستعِّدة للمشاركة بـطاقات عربية وأي شيء يتعلّق بالتحقيق».. وربما يكون معاليه انتبه أنه ذهب بعيداً في «كَرمِه» وأدرك أنه يصرِف من رصيد «صفري» بالفعل, فإذا به يعترف بذلك بشكل غير مباشر...«الجامعة مُستعدّة للدعم بما هو مُتاح»..

ليس شماتة أو تقليل من مكانة واحترام أمين جامعة عاجزة أو ممنوعة من تطوير نفسها بقرار عربي, اتّخذ بـ«الإجماع» ولكن لم يُكتَب في محاضر الجلسات أو مُقرّرات القِمم المُتعاقبة واجتماعاتها الدورية على المستوى الوزاري، لكن «مُتّفق عليه ومُبرَم»، إنما كانت التصريحات الحماسية لمعالي الأمين والتي تقترب من درجة الاستفزاز, هي التي دَفعتْ التعليق على زيارة ما كان لها أن تتم, كونها لم تُحقّق شيئاً بل أكدت حقيقة أن لا شيء في جُعبة الجامعة ورصيدها السياسي والإداري والميداني سوى التصريحات, التي لا تُطْعِم خبزاً ولا تشفي مريضاً وخصوصاً لا تعيد بناء ما خرَّبته كارثة بيروت, التي في جزء منها (بهذا الشكل أو ذاك) تفضح التقصير العربي الرسمي في تضميد بعض الجِراح العربية في لبنان وفلسطين واليمن وسوريا والعراق وليبيا والصومال.

kharroub@jpf.com.jo