يصعب فصل القضايا والشؤون ذات الصبغة المحلية عن القضايا القومية والدولية في كثير من الحالات، وفي العديد من الدول، وخاصة دولنا العربية، ذلك أن التأثر والتأثير المتبادل موجودان وواضحان.

وفي ظل هذا التداخل المباشر أحياناً، وغير المباشر أحياناً أخرى، تصبح الخصوصية التي ترتبط بالهوية والسّمة الوطنية أقل وضوحاً وأضعف أثراً، من سواها من السمات، دون أن نتجاهلها أو نعتقد أنها انتهت.

وبالقدر الذي كانت فيه كثير من الدول والأمم والشعوب شديدة الاعتزاز بخصوصيتها وهويتها قديما فإن هذا الملحظ أخذ في التضاؤل بسبب ما خلفته عوامل التغيّر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وحتى الديموغرافي والبيئي والجغرافي من تأثير على هذه الخصوصية لمصلحة العمومية والتداخل والتشابك في جدلية تبدو وكأنها ابنة اللحظة أو «بنت اليوم»، كما يقال، لكنّها كانت ذات «رسيس قديم» لا ينفك يظهر أو يغيب وفقا لتلك العوامل المؤثرة أو الفاعلة فيه أيضاً.

غير أن الحال في البلاد العربية تبدو أكثر تأثراً بهذا كله في عصر العولمة وفي ما بعدها، وهنا كانت التخاصية في الاقتصاد حالة من الإرباك أكثر منها عاملاً مساعداً على النهوض، بل أنها ساهمت في نكوص التطور الاقتصادي، وغيبت أية خصوصية للاقتصاد الوطني لصالح عالمية مشبوهة و لخدمة «كارتلات» اقتصادية ذات أهداف مضادة للمصالح الوطنية و القومية.

ولعل كثيراً من قضايا الفساد التي تنهش المجتمعات العربية وتنهب ثرواتها هي نتاج هذه التداخلات التي لا تبدو أنها على صلة بها في نظر بعض الناس، بخاصة اولئك الذين يركزون على تحصيل لقمة العيش ليس غير.

ولا شك في أن هذا أيضاً انعكس على المستويات الأخلاقية والقيمية للمجتمعات، وأخل بها أو قاد الى تغيرات سلبية وأودى بكثير من القيم الثقافية التي هي موضع الاعتزاز والاعتداد والفخر في كثير من المجتمعات، مما جعلها تأخذ مستوى متأخراً في مصفوفة الاهتمامات في مجتمعات اليوم.

ولسنا هنا في موضع التفصيل غيرأنها ملاحظات تتبدّى بين حين وآخر، وتلوح بوصفها سمات جديدة، أو كأنها لمجتمعات جديدة، تتباعد عن تلك السمات التي أعطت للمجتمعات القديمة سداها ولحمتها وقسماتها الفارقة.

وإذا دققنا النظر في المعطيات والأبعاد التي توفرها لنا القضايا المحلية والوطنية وتلت التي تتماهى مع النظر الى الأفق القومي، والبعد العالمي أو بالأحرى الإنساني نجد أن الجوامع بينها أكثر من الفوارق ولهذا تشعر كثير من المجتمعات بأنها باتت أكثر اقتراباً من «مجتمع القرية الكونية»، على الرغم من أن هذا المصطلح الأخير هو مصطلح «عولمي» بامتياز، غير أن ما وصلنا منه هو بعض سلبياته، وفاتنا كثير من إيجابياته، وهو ما أدى بنا الى النكوص والوقوع أسرى تمايز موهوم، أو تآمر غير مفهوم!

ولنا عودة إلى الموضوع.

mna348@gmail.com