عمّان - رهام فاخوري

أثرت الأحداث التي مر بها الأردن منذ بداية العام الحالي، كما العديد من دول العالم، على السلوكيات المجتمعية والأفراد بشكل كبير وحتى على قاموس اللغة الدارجة.

وانعكست أحداث 2020 على نواحي الحياة بما فيها الاجتماعية والاقتصادية، وساهمت بارتفاع نسب العنف والبطالة وزيادة حدة الفقر، وأدخلت المجتمع في حال من التشاؤم والتخوف من المستقبل.

أحداث كثيرة، إلى جانب تداعيات كورونا، توالت خلال العام الحالي بشكل شبه يومي: التسمم الغذائي في منطقة عين الباشا الذي أصاب نحو ألفي شخص، وحوادث الموت على الطريق الصحراوي وجرائم القتل والانتحار وأزمة نقابة المعلمين، ناهيك عن الحجر، بشقيه الكلي والجزئي، الذي أوقف الحياة اليومية لثلاثة أشهر.

يقول أستاذ علم الاجتماع الدكتور رامي حباشنة أن علم الاجتماع ينظر إلى المنظومة الاجتماعية بوصفها (متكاملة) تتأثر بالظروف الاقتصادية والصحية والثقافية بشكل وظيفي متبادل بحيث تتداخل الظروف مع بعضها لتعيد تشكيل أو تعديل كثير من السلوكيات.

ويؤشر عميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة مؤتة الدكتور حسين محادين، إلى ارتفاع نسب العنف بين الأفراد والجماعات، وبالتالي بدا المشهد ساخنا على الذاكرة الجمعية مقارنة بالسنوات السابقة بدليل أن التقارير الرسمية أظهرت ارتفاعا في نسب العنف.

يقول محادين أن السنة الحالية امتازت عن الأعوام السابقة لجهة تسارع الأحداث التي أدت إلى تغيير سلوكيات الأفراد والجماعات بسبب كورونا وما رافقها من حظر وحجر وتأثيرات اقتصادية واجتماعية سلبية مثلت استمرار لحالة الضغوط المعيشية التي يعيشها المجتمع منذ سنوات، إضافة إلى ضبابية المرحلة على مستوى الإقليم.

ويعتقد أنه كان على أفراد المجتمع أن «يتمثلوا أنماطا من التكيف الاجتماعي كما يؤشر علم الاجتماع من أجل التخفيف من أضرار هذه المتغيرات».

ويلفت إلى أن من أبرز التغيرات المجتمعية حدوث تجاوزات على النظام العام خصوصا أوقات الحظر والتزاحم اللافت على شراء المواد التموينية وتخزينها، وبخاصة الخبز، وكذلك العدوى التي نقلها أفراد هربوا من أماكن الحجر الحدودية بشكل واضح واثر هذا الموضوع على سلوك الأفراد والجموع.

الحباشنة بدوره لاحظ أن هناك تكيفا يتعلق بكثير من العادات والتقاليد والموروثات الثقافية التي ارتبطت بسلوك الفاعل الاجتماعي الأردني على صعيد مناسبات الأفراح والأتراح أو الشراء والعمل، خصوصا أن المواطن كان وما يزال أمام مجهول غامض ولا يعرف آلية التعامل معه بالضبط تحت وطأة القلق والخوف الذي حمل معه آليات وميكانيزمات جديدة للتعامل مع الأحداث والظروف.

ويوضح محادين أن الاجراءات التي فرضها علينا الحجر مثل تقديم المساعدات كلها ساهمت في التقليل من كثافة هذا الحدث..«إذ ظهرت لدينا قيم وممارسات لم تكون موجودة؛ مثل إعادة المكانة الأسرية وإعادة تقييم العمل داخل الأسرة.. كما زادت مساهمة التكنولوجيا في التواصل بين الأفراد، إضافة إلى التكافل الاجتماعي».

كما شهدنا تغيرا في أنماط الحياة في الأفراح والأتراح وأصبحت التهاني والتعازي عبر وسائل التواصل الاحتماعي وأدى إلى تخفيف الأعباء المالية التي كانت تثقل اقتصاديا على كاهل الأسر مثل إقامة ولائم واحتفالات، إضافة إلى التعليم عن بعد الذي جعل التكنولوجيا في مرتبة متقدمة، وهذه المؤشرات جعلت المجتمع أكثر رشاقة.

ويأمل أن تستمر هذه التغيرات في المناسبات العامة.

ويعتقد محادين أن الجائحة ومصاحباتها وقانون الدفاع، والظروف المرافقة «لم يشهدها التاريخ الوطني للأردنيين وخصوصا الشباب الذين لم يعيشوا ظروفا مماثلة وبسبب الجائحة.. منذ تسعينيات القرن الماضي بدليل أن بعضهم يشكك بخطورة الجائحة، وآخرون لم يفهموا قانون الدفاع ولم يمتثلوا له كفعل قانوني وقائي اتخذ لحماية المواطنين أنفسهم.

لذلك «وجدنا على مستوى اللغة أن هناك قاموسا جديدا أعاد ترتيب الأولويات المرتبطة بالوعي فظهر لدينا من ينعت الآخر بأنه «كوروني» ومفهوم جديد «الجيش الأبيض» (أي الكوادر الطبية)، إضافة إلى تعابير أخرى.

وينبه إلى أن هذه التغيرات «أربكت السلوك الجمعي» بسبب الضبابية التي رافقت الجائحة.. فظهر لدينا ما يسمى بـ"الحجر» على هذه المحافظة أو تلك المنطقة، وعدم الإحساس بالمسؤولية من قبل بعض الذين ثبتت إصابتهم بهذا الفيروس وكابروا واستمروا في التنقل أو الهروب الذي أدى إلى ارتفاع أعداد المصابين، إضافة إلى تأثر العاملين الذين يعتمدون على قوت يومهم بالمياومة.

ويوضح محادين أن عملية الحجر والظروف الصعبة سرّعت في زيادة حجم المعاناة من جهة وارتفاع منسوب العنف داخل الأسرة.

وهو يتوقع أن يصبح إيقاع الحياة مرتبكا، وبين انه بسبب التداخلات الوطنية من جهة وعدم وجود تشخيص دقيق وعلاج طبي محدد لهذا الفيروس، «خيم هذا الارتباك على سلوكات الأفراد لشهور».

وبالتالي فإن «التعامل مع النظام العام أصبح يحمل فكرة التجاوز عليه أو مخالفة قانون الدفاع.. ولا ننسى أن قضايا التهرب الضريبي والاحتكاك مع نقابة المعلمين مع الدولة أشعلت المشهد المرتبك أصلا».

لكنه يؤشر إلى نجاح الدولة، بكل مؤسساتها، في إعادة التوازن النسبي لهذه الارتباكات التي حصلت، وبشهادة العالم والمنظمات الدولية ووضع الأردن في مراتب متقدمة عالميا في الوقاية والمعالجة لهذه التداعيات.

ويرى أنه من المنطقي أن المجتمع، بما هو شخص معنوي، ينفعل ويزداد العنف فيه جراء عدم وجود خبرات سابقة لمثل هذه الجائحة أو قانون الدفاع وبالتالي من الطبيعي أن تشهد هذه التحديات العميقة التي أعيد تنظيمها مجددا أن تكون مميزة بالمجمل.