عهود عدنان نايلة

كان يا ما كان.. في رصد احتمالات الزمان، حيث جائحةٌ طارئة تغير مسار العالم وتتجه الرؤى نحو المجهول خوفاً وترقباً وفضولاً، يقوم محمد الصمادي برد فعلٍ غير موازٍ أبداً للحدث، إذ يعيد حساباته، يجلس مع صوره الحبيبات، يقرأ ما آثره به الأصدقاء والمبدعون حول ما اقترفه من إبداعٍ ولقطاتٍ ولحظاتٍ هاربةٍ حتى من أصحابها، ويقرر أن يخرج لنا بكتابه الجديد: «هو الذي يرى!».

يأتي هذا الكتاب ليعبّر عن تلك اللقاءات الجميلة مع الكتاب والأدباء والشعراء الذين قدموا ما جادت به نفوسهم، ووجدوه في الصمادي مصوراً ومبدعاً، إذ زاد عددهم عن 24 كاتباً وفناناً، كلّ يقدم مَحبته بطريقته، نثراً شعراً ورسماً... وقد تنوع هؤلاء وتوزعوا من مشرق العالم العربي إلى مغربه.

نحن أمام فنانٍ يأتي لك برطب الحكاية اللا زوردية.. تتراقص سماوية الإيقاع والتشكيل من خلال صورةٍ ليس إلا! ينطلق من قصيدةٍ يعيشها في داخله إلى نص لم يكتبه بين صفحات دواوينه ورواياته، ويسمو بها نحو عالم الصورة الصامت المحكي.. فما ينتج من خلال رؤيته حين يضغط بإصبعه على زناد الكاميرا لا يمكن أن يكون أقل فتكاً بالعفوية من وقع الرصاصة التي إن لم تصب في قلوبنا ما تصيبه من أثر الجمال فهي لا بد تأسر لبّ أرواحنا في فلك الحقيقة والممكن واللاممكن!

الصمادي يقرّب لنا مستحيلات جاذبية الأشياء ويصفّها في عقدٍ/ ألبوم من الصور، أشبه بالعقد اللؤلؤي الخاص بماري أنطوانيت الذي كانت تضعه على رقبتها وتتألق بأنوثتها فيه فيسلب لبّ كل من يشاهدها! إذ تصطفّ صور الصمادي في قلبك، في زاويةٍ من زوايا الجمال والتفرد، فتضاء ذاكرة الألوان والرائحة بكل ما يخطر لك من رؤى وتخيلاتٍ حين تشد الأولى إلى الثانية بخيالك وحقيقتك وإحساسك ونظرتك العلمية والفلسفية والواقعية للحياة، ففي كل صورةٍ ألف حكايةٍ وأزيد!

وبعد كل ما أنتجه الصمادي من صورٍ ولوحات ونصوص وقصائد، يترك الباب على مصراعيه مفتوحاً وبكامل إرادته بحثاً عن الطريق! اسمح لي أيها «اللا ترى».. من لا يمكن أن تكون رؤاه كما رؤى الآخرين بعد كل هذا الجهد الذي أمضاه في إرساء فن الصورة وصورة الفن.. اسمح لي أن أقول لك إن رسالتك السامية غزت الفكر والقلب معاً، الطاقة الكامنة في تجربتك الإبداعية قد أنارت الدرب لكل مَن بحث عن أنموذجٍ للمقاومة الإبداعية في ظل تكاثر النصوص وتناسل الصور، حتى لظننت فعلاً كلما تصفحت صورك أنك تعيش مع متلقيك بصوتٍ مسموعٍ مرئي.. فتحايا كثيرة إليك وأنت تفكر.. وأنت تصور القصيدة.. وأنت تضغط زناد كاميرتك على ذائقةٍ لا تكون لغيرك فتشركنا بها وتسحبنا في غواية الجمال وجمال الغواية.

هذا الكتاب، هو الذي يرى، حين يأتي في هذا الوقت تحديداً، ويقدم لنا نتاجاً عميقاً ومتنوعاً أكثر ما يمكن لتجربةٍ أن تكون.. فعلاً يفتح شهية الإبداع على تكامل الحكاية، ويضمن لها النجاحات المحققة في رؤيةٍ واحدة صريحة: قلب عربي واحد، وطن عربي واحد، إبداع عربي واحد.. برؤيةٍ أردنيةٍ فريدة! كيف يجتمع الوطن العربي في كتاب! وكيف له ألّا يجتمع إن كان بإمكانه حقاً أن يكون بكل هذا الجمال الذي يظهر في هذا الكتاب الذي رأى غير ما رأى الكل، ومن هنا تجيء تسميته المتناهية في الدقة والاختزال: «هو الذي يرى!».

إذن، هذه جدارية ثقافية تحدث بطريقةٍ متناهيةٍ في الجمال تقدم تجربة اتحادٍ عربي في الفنون المكتوبة والصورة قلباً وقالباً، فيتحدث كل من المشاركين حول مشهده من الصورة ليتكامل العمل في مجموعه، ويظهر ما يراه الصمادي حول دور المثقف خلال الجائحة، إذ يقول في حوارٍ له مع أحمد الخطيب حول كتابه، أن على المثقف «أن يقاتل وألّا ينسى أنه كالمراسل الحربي على جبهة القتال».. ويضيف في الحوار نفسه: «كيف ألتقط الصور؟ من أيّ زاوية؟ كيف نختار اللحظة؟ متى ترضى عن صورتك؟ أسئلة كثيرةٌ لا أجد إجابة لأيّ منها.. عندما يكون هناك نشاط ثقافي، أجدني أبحث عن مكانٍ أقتنص فيه صورةً تعبّر عن حالة الشخص شاعراً أو قاصاً أو ناثراً أو محاضراً أو مقدماً.. أتجول دون إرادةٍ في وجوه الجمهور، أبحث في صورهم».

الكاميرا تعشق كل جميل، ويلبيها فارسها قبل أن تناجيه.. من شرفةٍ إلى مقامٍ إلى درجٍ إلى تهجدٍ إلى تبتّلٍ إلى أوجاعٍ منهكةٍ، ومن الرؤيا إلى اللا رؤيا.. فمن الرؤيا تتوالد الألوان وتتناسل الصور وتتكاثف سماوات التلقي وآفاق التأويل، لكلٍّ قراءته لما تقترفه الكاميرا ولكلٍّ إحساسه تجاهها، ولكلٍّ نتاجه الأدبي واللوني الذي يشدّنا نحو خلود اللحظة.. خلود اللقطة حصراً.. فالمصور لا ينتهي عمله على وجه المسافات، يبقى قابضاً على جمر الحنين في مزمور خلوده المعتق بالحياة.... تلك هي رقصة «الفلامنجو» التي يلتقطها الصمادي في «هو الذي يرى».

يقدم هذا الكتاب جدارياتٍ معرفية لا تقل أهميةً عن التجارب التي خاضها أصحابها من خلال نصوصهم أو خارجها، إذ يختزل كلّ نص كثيراً من المعلومات والمعارف والكتب، وتقدم بعض النصوص اقتباساتٍ عالميةٍ وأقوالاً أو ترجماتٍ تسفر عن وعي وذاكرةٍ وحياةٍ تسري في دم المثقف العربي الذي هضم واختزل كل تلك الثقافات وغيرها فكوّن هويته المتفردة.

(كاتبة أردنية)