عمان - فرح العلان

قالت الكاتبة د.هدى فاخوري إنها لن تكتب في هذه المرحلة حول موضوع «كورونا»، لأنه ما يزال راهناً. مضيفة أنها تعلمت من التجارب أن الابتعاد زمنياً عن الحدث -أيّ حدث- يتيح للكاتب رؤية شمولية وأكثر عمقاً بشأن الأحداث والوقائع، بخاصة أن المعلومات التي تُبث وقت الحدث كثيرا ما تكون متناقضة أو تقدم صورة مغلوطة عنه.

وأكدت فاخوري أن الإبداع الحقيقي لا ينتظر مناسبة. مضيفة: «كثير ممن يكتبون عن (كورونا) قد يندرجون ضمن مسمى (كتّاب المناسبات)، ولن يكون هذا تحت بند الإبداع إلا إذا كان الكاتب يمتلك رؤية إبداعية خلاقة لا ترتبط بالمناسبة».

«الرأي» التقت فاخوري للحديث حول انشغالاتها في زمن كورونا، وكان هذا الحوار:

كيف قضيتِ أيامك وسط الأجواء والتدابير الحكومية الهادفة إلى حماية المجتمع من فيروس كورونا؟

كانت مرحلة صعبة أثناء الحجر الكامل، لكنني التزمت لخطورة الوضع كما بدا لنا في بداية مرحلة انتشار الفيروس، إلا أنني مع الاطلاع على وسائل الوقاية أدركتُ أن الوقاية ممكنة وسهلة، وكوني طبيبة فهمتُ آلية الابتعاد عن أماكن الخطر.

طبعاً القراءة والكتابة كانتا رفيق الحجْر إلى جانب مشاهدة التلفزيون ومتابعة وسائل الاتصال الأخرى. كنتُ أقضي بعض الوقت مع الأسرة ومع صديقة تسكن في العمارة. إلا أنني لم أكن راضية عن قرار منع الأطباء في القطاع الخاص من أن يكون لهم دور رئيسي في التثقيف الصحي. وهذا خلل فاضح مارسته لجنة الأوبئة حين عزلت النقابات الصحية في البداية من ممارسة دورها.

هل عملت هذه الأزمة والأحداث الراهنة على تغيير مفاهيمك تجاه الحياة؟

بالتأكيد، اكتشفتُ أن العالم هش، وكل ما ندعيه من التطور التكنولوجي الذي غيّر حياتنا في العقود الأخيرة، هُزم أمام مخلوق غير مرئي، وهذا يعني أن الإنسان مخلوق ضعيف يعمل على تدمير ذاته بذاتِه، ولا أستبعد بالطبع أن هذا الفيروس وغيره من الأوبئة التي حصدت ملايين البشر منذ مئة عام قد تكون صناعة بشرية استخبارية. وقد تكون نتيجة أبحاث في مختبراتهم خرجت عن السيطرة. وللعلم نحن لا نعلم عما يجري في المختبرات إلا القليل القليل، ولا نعرف إلا ما يرغبون بنشره.

مفاهيمي تتغير بحسب تطور معرفتي وتجربتي في الحياة الممتدة لأكثر من سبعة عقود. ما نمر به الآن مختلف، ولم نكن نتوقع أبداً أنا ومن هم في عمري أن نمر بمثل هذه التجربة، حيث يقف العلم عاجزاً أمام مخلوق لا نعرف شيئاً عن آلية عمله أو كيفية مواجهته، أو إمكانية هزيمته في المستقبل المنظور.

هل دفعتك أزمة كورونا إلى الكتابة حولها؟

أنا أكتب دائماً، وكنت قد بدأت مشروعاً للكتابة في شهر كانون الأول من العام الفات تحت عنوان «ربع الكأس الأخير»، وقد تطرقت في بعض النصوص لهذه الأزمة التي أعيشها ويعيشها العالم بأسره. وقد كتبت نصا حول الموضوع سيصدر قريباً في كتاب حول «كورونا» ضمن منشورات «تلآن ناشرون وموزعون». لكني لن أكتب في هذه المرحلة حول الموضوع لأنه ما يزال راهناً. وقد تعلمت سابقاً أن الابتعاد الزمني عن الحدث يعطي الكاتب ميزة رؤية شمولية أكثر عمقاً عما يجري. نحن نعرف أن حجم المعلومات التي تُبث كبير، وتناقضها أحياناً يخلق رؤية مغلوطة عن الحدث. لم أعد أثق بأي مصدر عالمي لتناقض ما يُبث من مراكز أبحاث عالمية. كما أن تسييس الوباء يعطينا بوصلة خاطئة عن صحة ما يُنشر.

هل ساهمت الظروف الراهنة في توجيه قراءاتك؟ وماذا قرأت أو تقرئين الآن؟

آخر قراءاتي كانت رواية «القرمية» للأديبة سميحة خريس، إذ اكتشفت وأنا أعيد ترتيب مكتبتَيّ في البيت والعيادة أنني لم أقرأه، وقد سعدتُ بهذه الرواية الرائعة. أقرأ الآن كتاب (١٩٧٠) للروائي المصري صنع الله إبراهيم. وبالنسبة لي فإن ذلك العام مفصلي في تاريخنا، فهو عام رحيل جمال عبد الناصر. وأنا أعيش مع أحداثه لحظة بلحظة لأنني عايشتها.

رتبت أمورا كثيرة تخص الكتب التي قرأتها ولن أعود لقراءتها، وبدأتُ في توزيعها على الأصدقاء. كما رتبت كتبي الخاصة حيث أصدرت ١٧ مؤلفاً ولدي نسخ منها.

لن أسرد كل ما قرأت، لكنني لا أتوقف عن القراءة أو مشاهدة الأفلام. وقد راقبت بعض المسلسلات في رمضان لأبتعد عن جو «كورونا». كما أنني أكتب ذكريات وطرائف عن دراستي في جامعة القاهرة وبعض النوادر التي تحدث خلال متابعتي «فيس بوك».

هل تعتقدين أنه سيكون هناك أدب يسمى «أدب كورونا"؟

لا أدري إن كان هذا سيحصل. أعتقد أن الإبداع الحقيقي لا ينتظر مناسبة. من سيكتبون في ظني هم كتاب المناسبات ولن يكون هذا تحت بند الإبداع إلا إذا كان الكاتب يمتلك رؤية إبداعية خلاقة لا ترتبط بالمناسبة.

ما دور المثقف في هذه الأوضاع.. هل بإمكانه أن يساند الإجراءات الحكومية في زيادة وعي المواطنين وتعزيز قيم الصبر والتكافل؟

دور المثقف بالمناسبة يختلف عن دور الإعلامي، ولا أعتقد أن هناك كتلة بشرية منسجمة تستطيع أن نسميها «المثقفون»، هناك مؤسسات ينضوي تحت اسمها كتّاب ومثقفون من الممكن أن تؤدي دوراً من خلال المؤسسة مثل الروابط ونوادي الأدباء. لكن ما جرى عندنا أن لجنة الأوبئة غيّبت هذا الدور. كما غيبت دور النقابات الصحية.

كما لا أعتقد أن دور المثقف أن يساند إجراءات الحكومة أو ينتقدها، المثقف دوره أعمق من ذلك، فهو مشغول بتحليل الحدث من منظور وجودي وفلسفي وإنساني، وقد يقوده هذا إلى جدوى الحياة الإنسانية أو لا جدواها، والصراع حول المكاسب والحروب والمال وغيرها من الصراعات بين الأمم.

قد يرى المثقف أن فيروساً قميئاً وحّد بين البشر، بين أعظم الدول وأفقرها. بين الغني والفقير، بين من يملك قصراً ومن يعيش في خيمة.. إلخ، لكني أعتقد أن البشر سيعودون لسابق عهدهم بعد زوال الخطر.