مقدرة كانت أم مدبرة، لقد أصبحت واقعا علينا التعامل معه ، كورونا كسائر الأزمات والمحن التي عصفت بحضارتنا الإنسانية على مر العصور؛ غيرت اقتصاد شعوب بل ودين شعوب وخلقت معتقدات جديدة لم يكن ليمهِد الطريق أمامها بمثل دراماتيكيتها تلك إلا جوائح مماثلة، ويبدو أن العالم الذي ألفناه صائِر إلى حالة جديدة كليا، وفي الوقت الراهن كل ما يمكننا فعله هو الانتظار للشهادة على الأحداث، إذ تعتريني ثقة مطلقة بأن التنبؤ المبني على تحليل الوقائع ورسم امتداداتها لن يكون دقيقا في عالم مجنون، على الأقل إلى حين تحديث طرائق الاستبصار التي كنا نستعملها، ففي عالم متسارع الأحداث على النبي أن يكون وإلى جانب ورعه عدّاء!!

في الأردن ليس مهما ما إذا كان سيتغير العالم، فالمحصلة أننا سنطوف معه، ولكن الأزمة سلَّطت الضوء على قضايانا المحلية، وفي الحين الذي تتحدث فيه الغالبية حول تأثير الوباء على الملف الصحي والاقتصادي، فإن الأزمة عصفت أيضا بالقش الذي كان يغطي ملفات اخرى ربما ستكون أكثر إلحاحا في يوم من الأيام، ونكشف الغطاء في الجزء الأول في هذه السلسلة عن ملف المياه في المملكة.

تعتبر الأردن أحد أفقر دول العالم مائيا، حقيقة لا يريد البسطاء الاعتراف بها، وهذا لا شك فيه تقصير متراكم أنتجته الحكومات جراء عدم استثمارها الصحيح في التوعية بهذا الخصوص، أو خلق الوعي البيئي الكافي في صفوف المواطنين إزاء هذا الهم الوطني المشترك، لتكتفي أخيرا بذكر هذه المسألة الوجودية على هامش كتب الجغرافيا في الصفوف المدرسية الأولى، وبلا زخم إعلامي رسمي مدروس يتناسب مع حجم هذت الملف، ولا حتى ببث الروح في مبادرات وطنية شابة، أو رؤية وطنية كبرى تخطط بعناية للأمن المائي الوطني كقضية مركزية، هذا وكما جرت العادة شلل حزبي تام في تبني برامج مماثلة، هذا إذا سلمنا بوجود برامج أخرى تهتم بمثل هذه القضايا!!

كان مشروع جر مياه الديسي إلى عمان أحد كبرى مشاريعنا الوطنية وأكثرها أهمية في عصر جلالة الملك المعزز، وأعترف بأن الحكومات وُفقت في إدارة الملف المائي سواء بترشيد الاستهلاك وتوزيعه بنصاب صحيح، أو بتخطيط وتنفيذ مشاريع على شاكلة مشروع جر مياه وادي العرب، أو مشروع الناقل الوطني، وغيرها، فيما طالب الأردن الدول المانحة والصديقة للوقوف إلى جانبه بعد أن تحمل عبء اللجوء السوري على أرضه، وما ترتب عليه من استنزاف لموارده الطبيعية وعلى رأسها الماء، مما دفع بالبلاد لتحمل تكاليف ضخمة في مجال الاستثمار في الهيكلة المائية لها.

لست أوسع إلماما من كثيرين من الخبراء في هذا المجال، خصوصا وأن هناك العديد من المقترحات الاستراتيجية للتعامل مع هذا الملف جلها كانت محاولات فردية متواضعة، ولكن ملهمة، وعلى رأسها السعي لتوفير ١٠٪ من الاستهلاك الزراعي البالغ ٧٠٪ تقريبا من إجمالي استهلاك المملكة من الماء، علما بأن هذا الوفر كاف لتوفير الاحتياجات الوطنية، والتعويض عنه بطرق حصاد مائي أكثر كفاءة، وكذلك زراعة الاصناف المقاومة للجفاف، وأيضا الاستغناء عن زراعة الأنواع ذات الاحتياجات المائية الكبيرة، وأخيرا لن أكون متنطعا إذا اقترحت أن يتم العمل على تصميم شبكات حصاد مائي من أسطح المباني لتغذية الآبار الجوفية، أو صبِّها في محطات للمعالجة، أو تصريفها لإمداد السدود، لا سيما وأن كل ملم مكعب من هطل سنوي يجمع ١٠ ليترات من كل متر مربع واحد، وأخيرا استثمار الطاقة المتجددة في تحلية المياه المالحة، وغيرها من الحيل التي يمكن توظيفها.

وأما عن التكلفة المالية الباهظة لمثل هذه المشاريع، فيمكن أيضا تحصيلها "بقرش الحياة" أي بزيادة رمزية موازية لفلس الريف، وبالطبع فإن هناك من هم أوسع مني إلماما في هذا المجال ، ولكن تسليط الضوء على هذه القضية هو واجب وطني مقدس يستحق إراقة الحبر عليه بإسهاب، وفي الختام، سيبدو هذا المقال متشائما جدا، لكن علينا أن نتذكر أنه وعندما كشرت نواميس الكون عن أنيابها، أرتنا أن الطبيعة لا ترحم، وأن العالم كله انقلب في شتاء واحد، وفي حين نتشارك فيه وجع الوباء مع العالم بأسره، مع فارق كبير في ذلك الوقت، اذ وأنه وفي صيف واحد قد نعطش وحدنا!!.