في غمرة تباهينا المستحق بمقاومتنا الناجحة لجائحة كورونا اعتماداً على مبادئ الرعاية الصحية الأولية وآلياتها المترسخة في وزارة الصحة جيلا بعد جيل واسترشاداً بمعايير منظمة الصحة العالمية ضمن شبكة إدارية حكومية شديدة الانضباط شاركت فيها بكفاءة عالية القوات المسلحة والأمن العام والدفاع المدني، كنت أحيانا اتوجع من ملاحظات جارحة على لسان البعض منا يدعي بأن الأردنيين لا يتقيدون بالتعليمات ولا تفلح معهم إلا العصا (!) فارد بأن المخالفات أقل من مثيلاتها في الدول الأخرى الكثر تقدما، أو بانهم اتكاليون ينتظرون من الحكومة ان تفعل من اجلهم كل شيء وهي تهمة ظالمة فشعبنا اثبت انه شريك حقيقي في المعركة أسوة بكل الشعوب في الازمات حين تقتنع بان حكوماتها تعمل لمصلحتها، وكنت ابحث بلهفة عن أمثلة حية في مجال مشاركة مواطنينا في مكافحة الجائحة الى ان ساقت لي الصدف الطبيب الشاب أنمار الصمادي فحدثني بحماس عن تجربته حين تطوّع مع (مبادرة وطن) التي لم ننتبه لها كثيرا إذ لم تكن في دائرة الضوء الإعلامي وشرح لي كيف قامت بخدمة توصيل الأدوية لعشرات الآلاف من المرضى في منازلهم اثناء منع التجوال، ما حفزني لاستكمال الحديث مع الدكتور مظفر الجلامدة رئيس لجنة الإغاثة والطوارئ في النقابة الذي دعا الأطباء للتطوع في (مبادرة وطن) بعد ظهور الوباء مباشرة فتجاوب معه فوراً 50 طبيباً وبدأوا بمهمة توزيع أدوية مرضى السكرى والضغط والامراض النفسية والسرطان والهرمونات حسب وصفات مستشفى الجامعة والملك المؤسس والمركز الوطني للسكري ومركز الحسين للسرطان وبلغ عددها حوالي الخمسة عشر الفاً، وقد تزايد عدد المتطوعين تدريجيا فوصل في وقت قصير الى ألف وستمئة من الأطباء وطلبة كلية الطب والصيادلة وأطباء الأسنان..

وقد ارتقى تعاون الدفاع المدني معهم الى ذروته حين طرحوا فكرة استخدام سياراته كعيادات متنقلة لمعالجة المرضى في أماكنهم وإجراء الفحوصات اللازمة لهم وبعض العمليات الجراحية الصغيرة فاستطاعوا تقديم الخدمة الطبية لحوالي 20.000 مريض في مختلف قرى ومدن المملكة وتعاونوا كذلك مع وزارة الصحة في فرق التقصي الوبائي خصوصاً في محافظة اربد وتحت اشراف الدكتور وائل هياجنة عضو اللجنة الوطنية للأوبئة، وقد أعرب الدكتور الجلامدة عن الامتنان والتقدير لجمعية (أطباء بلا حدود) على دعمها المتواصل.

وبعد.. واضح ان مقالة كهذه لا تكفي لتغطية الجهود الكبيرة التي قامت بها هذه المجموعة الخيرة من أبناء المهن الطبية دون أي مقابل ومن ناحيتي أعتبرها دليلاً على عبقرية الشعب حين يستنبط أساليب المشاركة في معارك الدفاع عن الوطن والمجتمع وارد بها على المشككين بدور المواطن المسكون بحب وطنه لحساب نفخ أدوار أخرى!