عمّان - جوان الكردي

هذه السنة «غير».. أحداث عصيبة لم نكن نتوقّعها؛ جائحة كورونا وما خلفته من تداعيات طاولت كل نواحي الحياة.. هنا.. وفي العالم..

الحوادث المؤلمة تتوالى بشكل شبه يومي: التسمم الغذائي في منطقة عين الباشا وحوادث الموت على «الصحراوي» وجرائم القتل التي لا تنتهي، وخصوصا «القتل باسم الشرف» وانتحار.. وأزمة نقابة المعلمين.

شباب فقدوا وظائفهم.. ينتظرون مستقبلا لا يعرفون إلى أين يؤول بهم.. وآخرون أنهوا دراستهم وحرموا من لذة تتويج تعبهم وأهلَهم بالاحتفال بتخريجهم، ولا يأملون أن يحظوا بفرصة عمل.

مقبلون على الزواج أجلوا زفافهم بسبب الوضع الاقتصادي والصحي.. أو تزوجوا «عالسكّيت» وحرموا من الاحتفاء بليلة العمر.

لسنا الوحيدين، فهنالك إقليميا كوارث تتوالى، آخرها كارثة بيروت والانفجار الذي أدمى القلوب.. وغيرها..

ورغم هذه المآسي والتحديات نردد العبارة التي اعتدنا تردادها دوما، وبيقين في أغلب الأوقات،: «الحمدلله» و«القادم أحلى» بإذن الله.

«$» استطلعت آراء شباب، ومختصين، أبدوا آراءَهم حول ما إذا كانوا يعتقدون القادم أجمل «بُكرة أحلى» وهل هنالك ولو بصيص أمل؟

العزم والإصرار

فيصل الصويص، خريج صحافة وإعلام وطالب دراسات عليا بالجامعة الأردنية، يشير إلى أن عام 2020 كان «مختلفا واستثنائيا» بما تحمله الكلمة من معنى؛ فقد شكلت كورونا تحديا كبيرا لدول العالم، وليس للأردن فقط، لكن والحمدلله استطعنا الانتصار على هذه الجائحة بكل عزيمة وإصرار بالرغم من قلة الإمكانيات وتفوقنا حتى على دول كبرى ومتقدمة.

ولكن السؤال الذي يطرح ويشغل عقول وقلوب الشباب اليوم كيف سيكون شكل الغد وماذا سيحمل معه وهل سنستطيع أن نواجه التحديات القادمة؟ وهل من الممكن أن نصنع مستقبلا أفضل من الحاضر الذي نعيشه اليوم؟.

ويعلق الصويص بالقول «نحن في حال من القلق والخوف من المستقبل والملل وفقدان الثقة بالحكومات التي تطرح الشعارات على شاشات التلفزة والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، لكن على الأرض لا نرى أي تغيير للأفضل وهنا تكون الصدمة وتكمن المشكلة الحقيقية».

ويلفت إلى أن آخر أحصائية لنسبة البطالة جاوزت الـ ١٩٪ وستزيد بسبب التداعيات الاقتصادية لكورونا، وهناك أكثر من ٤٦٨ ألف مواطن عاطل عن العمل ومئات الآلاف من الطلبة على مقاعد الدراسة بالجامعات.

وهو لا يشعر اليوم بوجود «إرادة حقيقية للإصلاح السياسي ولا حتى نية لإشراك الشباب بصناعة القرار.. فالمسؤولون يقولون علينا أن نصغي للشباب.. لكن الإصغاء وحده لا يكفي ولن يؤدي إلى أي جديد».

ويقر الصويص بأنه «ليس من واجب الحكومات تشغيل كل الأردنيين، لكن من واجبها أن تخلق بيئة حاضنة للاستثمار وأن تقدم جميع التسهيلات للمستثمرين لتشغيل الأردنيين».

ويشير إلى الشأن السياسي: «السلطة التشريعية والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني عليهم دور كبير وأساسي في جذب الشباب وتمكينهم حتى يكونوا قادة الغد وقادرين على حمل الأمانة بالمستقبل القريب».

وهو لا ينكر أن هناك «دور وواجب علينا نحن الشباب في تمكين وتطوير أنفسنا وأن نتسلح بالعلم والمهارة لنواجه المستقبل وكسر الحواجز التي أمامنا وأن نرفع صوتنا عاليا من أجل حقوقنا ومن أجل حياة أفضل للأجيال القادمة».

ويدعو إلى أن «ننظر للنصف الممتلئ من الكأس.. فهناك قصص نجاح كتبت بأيدي وعقول شبابنا وأظهرت الأردن إلى العالم بأجمل صورة، وهناك دعم من جلالة الملك وهنالك العديد من المؤسسات الوطنية التي تضع الشباب على سلم أولوياتها وتحاول توفير الأدوات والإمكانيات من أجلنا، وأمامنا العديد من الفرص في الأيام والسنوات القادمة».

ويعتقد الصويص أن الدولة التي انتصرت على وباء عالمي «قادرة على أن تلبي طموحات الشباب وتطلعاتهم، والدولة التي سنحتفل بمؤيتها الأولى قادرة على تحويل التحديات فرصا حقيقية.

ويستعيد الصويص السؤال: هل بكره أحلى؟ ليجيب: نعم بُكره أحلى وأفضل، لكن هذا يعتمد على إرادتنا جميعا وعلى مدى العمل والجهد الذي نبذله من أجل صناعة الغد الذي نطمح إليه والذي يستحقه هذا الوطن وشعبه.

ما أضيق العيش..

ويرى صهيب العجارمة، خريج اقتصاد وأعمال، الباحث عن عمل، أن المنظر قاتم؛ «فا الوضع لم يعد يتعلق بتراجع الاقتصاد وتناقص فرص العمل فقط؛ فهنالك جائحة الكورونا وحالات الانتحار والقتل والحوادث يوميا التي تخطف أرواح الشباب، والمواطن الذي أصبح فير قادر على أن يعبر عن رأيه، ولا أحد يسمعه».

وهو يعتقد أن هذه الأمور كلها تجعل المواطن «يفقد الأمل بأن يحدث أي شي جميل».

.. لولا فسحة الأمل

أحمد عواد، مهندس الطاقة الكهربائية، ويعمل في مؤسسة التدريب المهني، يقول: «حياتنا مليئة بالمحطات، لكن هذه السنة وبأحداثها المُتسارعة محلياً ودولياً جعلتنا في حيرة من أمرنا أحياناً».

ويستدرك بالقول: «إلّا أنّنا تعودنا على التفاؤل رغم كل الظروف التي تواجهنا، فبعد الألم يأتي الأمل، ومهما اشتدت ستنفرج، وبعد العسر يأتي اليسر، وبعد الظلام سينبثق النور في كل مكان إن شاء الله».

ويستطرد عواد بالقول «نُدرك حجم التّحديات التي تواجهنا محلياً واقليمياً، لكنّنا يجب أن نبقى المتماسكين المتكافلين ضمن مجتمع قويّ مُتراحِم مهما اشتدت الظروف والعقبات».

ويرى أن على الشباب «البحث عن البدائل دائماً، وأن ننتج الحلول بدلاً من انتظارها، وأن نستمر في المحاولة الجادة التي تساهم في تحسين أوضاعنا والمجتمع وحتى العالم».

ويحض الجهات المسؤولة على إدراك حجم الشباب وأهمية سماع أفكارهم وإشراكهم بشكل حقيقيّ في صنع القرار وبناء الحاضر والمستقبل.

ويلفت إلى أن القوة «نستمدها من الايمان بالله، والعزيمة من عيون قيادتنا الهاشمية وثقتها بنا وبقدرتنا على التأثير وإحداث فرق إيجابي يُساهم في تحسين وطننا وتحقيق التنمية الشاملة المُستدامة فيه، وندرك أن علينا الاجتهاد والعمل الجاد بإخلاص من أجل مستقبلنا ومستقبل الأجيال القادمة.

وهو متيقن بأن «هذا الوطن يستحقُّ منّا التفاؤل مع التماسك، وعلينا كشباب الوقوف دائما في وجه الظلم وقول الحقّ الذي نعتقده ليكون لنا إسهام في مواصلة بناء وطننا ضمن منظومة من العدالة الاجتماعية وسيادة القانون، للوصول إلى الوطن الأنموذج المتطور في المجالات كافة».

الجيل المفقود

المهندس الكهربائي نبيل الحمادين، الباحث عن عمل، يقول: «نحن الجيل المفقود»..

ويفصّل بالقول: ما يكدر الخاطر ويبعث في النفس الحزن أننا الجيل المفقود بين مجموعة الأجيال التي ولدت بين طيات أرض الوطن فلسنا من جيل العشرينيات والثلاثينيات الذي كان له الحظ الأوفر في الدفاع عن أرض الوطن ورسم البطولات وتحرير الأرض والإنسان من الاستعمار..

ولسنا كذلك من جيل الأربعينيات والخمسينيات الذي ارتاد الثقافة من أوسع أبوابها ومارس السياسة منذ الفطرة الأولى.. وكذلك لسنا من جيل الثمانينيات وممن عاشها فدافع بالكلمة والإرث السياسي والمعارضة وإنشاء الأحزاب واختلافها.

ويسترسل الحمادين بالقول: ليس هذا فقط بل لسنا من الجيل الحاضر الذي عاش التكنولوجيا وتطويرها والتحضر والتوسع في المجالات جميعا.

ويسترجع السؤال: «بكره أحلى؟».. ليجيب: هذا السؤال يلوك القلب بالألم: من نحن؟ جيل لم يرافق الأولين من المثقفين والسياسيين والحزبيين ولم يرافق الآخرين من المتحضرين والمتطورين ورياديي الأعمال.. إذن من نحن؟».

إجابة هذا السؤال، برأيه، هي: نحن جيل مقتبل التسعينيات الذي ولد على الفرقة العربية والتشتت والتدخل الأميركي المباشر بالشؤون العربية ما أقصده هنا هو حرب الخليج الثانية؛ هذه كانت البداية، أعلم أنها بداية دامية ولكن هذا الواقع الذي لا يخفيه ظاهر اليد.

وهو لاحظ أنه منذ عام ١٩٩٠ وحتى الآن، هذه الأعوام كانت حبلى بمئات الأحداث الجِسام.

ليس هذا فقط، بل «كانت سنوات عِجاف، عشناها بين أملٍ مسروق ومستقبل لا يعرف له باب ولا تبين له ملامح، كل هذا حصل منذ ولادتنا، إذن؛ حقَّ لنا أن نقول عن أنفسنا أننا نحن الجيل المفقود المحطم الممضوغ بالألم والحسرات والويلات».

ويصف حال هذا الجيل بالقول: لقد ولدنا ونحن لا نعرف الواقع الذي نعيشه ودرسنا ونحن لا نعلم المستقبل الذي نواجهه وعشنا ونحن لا نعلم أي ريح غابرة تجرنا في طريقها، ولدنا في زمن كان الفساد قد قصم ظهر الوطن ولدنا في زمن كانت الواسطه العنوان المتوج لمستقبلنا ولدنا في زمن كانت المحسوبية أول بيتٍ في قصيدة الوطن الكئيبة.

ولو سألنا الأولين والآخرين عنا لردّوا علينا بالصوت العالي الممزوج بالغلّ: أنتم الجيل الذهبي الذين عشتم أجمل أيام الوطن وتوسدت بين أركانه فلا همّاً ولدتم عليه ولا ليلاً أغبر رافق سهركم.

ويرد عليهم الحمادين: عن أي جيل ذهبي أنتم تتحدثون، هل هذا نحن أم أنكم تتحدثون عن آخرين لم نرَهم ولم نشاهدْ رغدهم وراحت معيشتهم، نحن جيل قد نحت الهمّ أركان أجسادنا.. فلا طفولة ترعرعنا في كبدها ولا ريحان شباب شممناه ولا مستقبل قد أمّنّاه.. فأي جيل جميل عشناه؟؟

أيها الجيل التعِس.. أيها الجيل المكبوت بالألم.. صبراً.. وأعلم ما عاد للصبر مكان ولا للأمل مقاس ولا للمستقبل حساب، ولكن لعلها كلمة واحدة نتشبث بها دوماً: لعل القادم أجمل.

«محكومون بالأمل»

رهف الزّعبي، صحافة وإعلام حديثة التخرج، لم تتقدم بعد للبحث عن وظيفة «لأن التقديم للوظائف متوقف حاليا بسبب الأوضاع الراهنة التي نعيشها في بلدنا والعالم.

لكنها تؤكد أن ذلك لن يؤثر على حياتها وأوضاعها النفسية والعملية «لأملي بالله تعالى أولا بأنني سأصل بطموحي إلى المكان الذي أريده وإصراري عليه، والله لا يخيّب ظن عبده، وما دمت متمسكة بالأمل هذا فلا أخشى على مستقبلي».

وهي تخطط لأن تكمل تعليمها وتدرس الماجستير » بدل المكوث في البيت» وخلال هذه الفترة ستقدم للعمل في أي مؤسسة حتى تؤمن مصاريف دراستها دون أن تحتاج لأي شخص».

وتلاحظ الزعبي أنّ العالم كل يوم في تطور جديد، وهي موقنة أن الأوضاع الحالية «مؤقتة لن تبقى على حالها وستتحسن للأفضل وبلدنا يقوى ويعمَر في كل مرة يواجه المصاعب بقيادته وشعبه وتتحسن ظروفه».

وتلفت إلى أنه على رغم أن الناس تنظر إلى هذه السنة بوصفها سنة تشاؤم لكثرة المصائب التي تحدث يوميا.. إلا أن هذا، برأيها، يجب «ألا يجعلنا نفقد الأمل بالله وأن الوضع سيتغير للأفضل.. «وبكره يكون أحلى».

.. أو لا تكون

المستشار الأسري التربوي الدكتور خليل الزيود يحض الشباب على أن يزاحموا ويدافعوا وأن يجعلوا لأنفسهم بصمة أو موطئ قدم.

وهو يؤيد ذلك بقصة قصيرة، فحواها أن «شيخا بمسجد كان لديه مجموعة من الطلاب، وفي يوم غاب أفطنهم، فذهب الشيخ ليطمئن عليه، وسأله عن سبب تغيبه، فأجابه الطالب: وأنا عائد من المسجد وجدت عصفورين، جناح أحدِهما مكسور تحت شجرة فيما ذهب العصفور الآخر ليجلب له الطعام وهو راقد تحت الشجرة، فقلت لنفسي: لماذا أذهب لحضور الدروس وأتعب وأطلب العلم؟ ولِمَ لا أجلس في البيت ويأتيني الطعام والرزق بالبيت وأعيش حياتي.

فقال له الشيخ: عجبت لأمرك.. لماذا قبلت أن تكون العصفور المكسور ولم تقبل أن تكون العصفور الذي يجتهد ويأتي بالطعام؟!».

وينبه الزيود إلى أهمية أن «نبين للشباب ونسألهم هل تريدون أن تعيشوا عيشة آبائكم وأهاليكم؟ إذا كانت ممتازة يجب أن تكونوا مثلهم، واذا كانت سيئة فيجب ألا تكونوا مثلهم لأن المستقبل الذي ينتظركم غير مستقبل أهاليكم.

ويشدد الزيود على أن «الإبداع والتغيير والإنجاز يأتي عندما تكون هنالك مصائب وكوارث ومشاكل، وهذا لا يتأتى ونحن قاعدون».

ويسأل الزيود الشباب: «هل تتوقعون أن إحداث الإصلاح والقيام من تحت الركام والقدرة على أن تترك لك بصمة في الحياة سيكون من خلال التأفف ولوم الواقع والظروف؟ وهل سيغير هذا اللوم شيئا؟».

ويجيب الزيود عنهم بالقول: بالطبع لا، لكن بمجرد أن تتحرك وتقوم من مكانك سوف تحدث التغيير».

وهو هنا يحض على أن «نعمل على إعمار الأرض» ويتساءل: كيف قامت الأردن؟ ولا يترك وقتا للإجابة، إذ يقول: نشأت في أصعب الظروف على أكتاف الملك الراحل الحسين والرواد الأوائل.. وجاء الملك عبدالله الثاني في ظروف صعبة جدا واستطاع أن يحمل هذه الشعلة ويديم ضياءها.

ويعيد التساؤل: هل هذه التحديات جميعها وهذه الدولة التي ننعم بها، هل توافرت لنا بالمجان؟ وبالصدفة؟

ليجيب مجددا: «بالطبع لا.. فالتحديات موجودة وستبقى هناك تحديات، ولكننا نستطيع بالمزاحمة والإرادة أن نجتث كل المشاكل والصعوبات والظروف ونجد لأنفسنا مكانا.. بل أمكنة».