سليم النجار

(ناشر وكاتب أردني)

في رواية سوزان دروزة «أبواب ومفاتيح» (الآن ناشرون وموزعون، 2019)، عقْدٌ ونوْباتٌ متعددة تتخللّها استطرادات في العدّ والمنتهى تمام العقد، يكتبها الرّوايان وقد تم لهما مجال الرّكض واستقامت الحكاية في روحيْهما مكتملة، وفي الحكي/ الكتابة يكون السؤال، وبعده ينفتح للقارئ منه مركض آخر؛ اقتفاء أثر والتقاط منابت الضّوء وفوانيس الحكاية؛ «لنابلس رائحة طيبة معتّقة لا يعرفها إلا من عايس الزقاق، بلدة المغامرات، حاضنة الياسمين، وحكيمة الجارات» (ص١٧).

العقد يكتبُه الرّاويان، ميثاقُ رحلة تحاول أن توهمنا بانّها تخييليّة، ولن تُفلْح في الإيهام على كبير حرصها وشديد انتباهها للتّفاصيل المموّهة، «وصلنا عمّان صيف ١٩٧٦؛ كانت في استقبالنا أم محمد في مخيم الحسين؛ تدبرنا أمرنا في بيتهم لمدة أسبوع، ثم كتب الله لنا بيتا متواضعا في المخيم» (ص١٢١).

الرّاوية لا تُخفي على القارئ مَن تكون؛ فروايتها الأولى تستقيم كنداء مُلّحْ مغريا، يغري به المدعو إلى الرّحيل، تقول: «سيدة تعيش مع أولادها في مدرسة: امرأة في أعالي الأربعين من عمرها تنظف مدرسة كاملة لقاء منامة لها ولأولادها وبضعة دنانير» (ص٢٥).

سؤال يحمل في ثناياه بذرة الجواب الأبدي: ما هو الوطن؟ حب فطري يوقظ باللّوح الحياة ويمنع النسيان من الطغيان على الذاكرة، أو أنثى الحكاية.. شهريار.. والبيتُ رواية أو حكاية تؤجّل رقصة الغياب أو لعلعة الرّصاص بالكلام الهاذي بالحمّى وقد تعلّقت بإهاب الكوْن وانشدّت إلى ضوئه بعدَ أن رسمتْه: «وكأن كل شبر من نابلس من ممتلكاتها، كيف لا، وهي المولودة هناك، وهي المناضلة الصامدة الصابرة على الفقر وقلة ذات اليد» (ص٥٩).

صوتان ام روحان يحنّان ويخفقان من لهفة على الحياة ومن خوف على تضيعها وفوات العمر في الرّكض وراء ذكرى: «زودتني سميرة بكيس زعتر. تركت امر محتويات البيت لهدى وسميرة للتصرّف بها. حملت حقيبتي ودّعتُ شقيقتَيّ بالبكاء وتوجّهت للمطار» (ص١٦٩-١٧٠).

سوزان دروزة في روايتها «أبواب ومفاتيح »، الصادرة عن الآن ناشرين في عمان، تسرد رواية الإنسان (وأصل التّسمية معقود على المثنّى من لفظ «إنْس» لا يرى في الحياة من معنى إن لم يظفر بالشّقيق، يؤانسه ويحاكيه ويستلهم من صمته ما يكوّن به صورته ويهتدي إلى ذاته: «لم تعد الابتسامة لها ؛ لأنها لم تكن تمتلكها أصلاً، ولم تكن تعرف ما يخبِّئه لها الزمن» (ص٦٣).

رواية يكتبها إنسانان؛ إذن يقولان كلّ شيء، ببوحمها وهواجسهما وذاكرتهما وهذيانهما المحموم: «ليس للفقر من فائدة إلا المتاع عند السفر؛ فهذا يمنحك حرية الحركة والتنقل» (ص١١٩). وما عاد الأسلوب هو كلّ شيء، كما كان يدّعي الرّواة الأوائل، والموضوع شأنا ثانويّا. الأسلوب نافذةٌ تطلّ على الأشياء والأشخاص والوقائع. وفي رواية «أبواب ومفاتيح» للروائية سوزان هناك أشخاص تعرّي، تفضحُ، تنوب عن الكلام في قول كلّ شيء: «لكن الطبيب المعالج مهّد للموضوع بالحديث عن تضحية الأسيرات، وإن ما سيقوله: (ليس بالشيء الخطير)، وإنه قد حصل مع أسيرة مناضلة، وليس مستغربا على الهمجية التي يفرضها الاحتلال على المناضلات في المعتقلات.. ثم دخل في الموضوع بكل صراحة، قال: (هدى تعرضت للاغتصاب، وهذا هو سبب حالتها النفسية» (ص١٣٥).

تلك نوباتٌ تتْرى، بلا توقف. يتعاقب عليها الرّواة ويتناونون الحكَي: «فنحن ننام في مكان لا نملكه، وبعد لحظات سيبدأ الدوام في المدرسة، وتدوس الطالبات والمعلمات مكان نومنا» (ص٢٦). امّا النوبة التي كرّستها الكاتبة سوزان دروزة في روايتها «أبواب ومفاتيح» هي الملهاة بكل ما فيها من اوجاع وفي حالات كثيرة توظيف الهذيان كلعبة سردية ودائما مرآة هذا التوظيف الترحال: «ثم القيت رأسي إلى الخلف، أغمضت عيني، مسترخية تماما، فها هي عزيزة ترافقني في غربتي» (ص١٧٠).

يمكن القول ان رواية «أبواب ومفاتيح» للكاتبة سوزان دروزة، حكاية فيها العديد من المسامير، مسامير الغربة كأنها حبْل مشنقة، وخُيلاء كلمة. وكما وظفت الاستطراد الذي هو من صميم لعبة السّرد. إذن فلا تنتبه إلى مخاتلة الاسم وما يحاول إيهامك به هو أيضا يُضيء، كما تضيء النّوباتُ، وهي تلهث في أثر الحكاية.