الدكتور عامر العورتاني

أخصائي علم اجتماع الجريمة

ربما أصبح مشهداً اعتيادياً أن ترى طفلاً بعمر العام أو العامين وهو يحمل هاتفا ً بين يديه ، يتابع الفيديوهات ويحدّق بفضول عميق ، والويل كل الويل بانتظارك إذا ما حدثتك نفسك ومددت يديك نحو ذلك الهاتف ، فتسونامي البكاء الذي سيرد به ذلك الطفل ، كفيل باستسلامك لإرادته وأنت تتحسر على نفسك ، وفي مشهد آخر لا بدّ وأنً لاحظت كيف يستمر الشباب بتفقد أجهزتهم الخلوية وعلى فترات قصيرة ، دون أن يحول حتى عبورهم الشارع دون ذلك ، وإذا ما كررت النداء على أحد الأبناء ليشارك الأسرة الطعام ، فإنّ الصمت يأتيك عبر غرفته وهو منهمك إلى أبعد مرحلة في لعبة الكترونية لن يكون الجوع سبباً في التخلي عنها ، وتكاد تجزم أن نسبة لا يُستهان بها من الأفراد تقضي أغلب يومها داخل غُرف الدردشة ومواقع التواصل ، وبرامج المحادثة ، ومواقع الترفيه ومنتديات الانترنت ، وعلى فرض أنك لست أياً من هؤلاء فإنّ مقارنة بسيطة قد تقفز إلى ذهنك تجعلك تُصدر حكماً ضمنياً بأنّ حالة شبيهة بالإدمان باتت سائدة في أوساط روّاد العالم الافتراضي ، ولك أن تتخيّل ردة الفعل في منزل قُطعت فيه خدمة الاتصال بالإنترنت ، عندها ستجد أنّ حالة من الغضب بدت على وجوه سكانه، وإذا ما طالت فترة الانقطاع فإن القلق والتوتر سيسيطران على الموقف ، وقد تجد بعد أيام من فُقدان الاتصال أنّ الاكتئاب وجد طريقه إليهم ، وكأنها صورة عن أعراض الانسحاب التي يُبديها مدمنو الكحول أو المخدرات .

والحقيقة أنّ بعضاً من تلك الصور أصبحت منتشرة في أغلب مجتمعات الكوكب ، فالشبكة العنكبوتية تمكنت من الإيقاع بمختلف وقائع اليوم ، فالأعمال والمال والإعلام والتعليم والثقافة والبحث والترفيه أصبحت خاضعة لما تقدمه هذه الشبكة من ميزات السرعة والتنوّع والجودة والشمول ، إلاّ أنّ الاستخدام المُفرِط وغير الواعي للخدمات التي يُقدمها الانترنت ، وانعدام السيطرة على أوقات وكيفية الاستخدام ، تلفت الانتباه إلى حالة من الهجرة القسرية نحو العالم الافتراضي ، بعيداً عن الواقع الاجتماعي ، الأمر الذي يعكسه فشل الكثير من روّاد الشبكة وتطبيقاتها في القيام بمسؤولياتهم الدراسية أو الوظيفية أو الاجتماعية على النحو الصحيح ، بسبب الاكتفاء النفسي الذي تُحققه لهم العلاقات الوهمية في العالم الرقميّ داخل أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية ، وكالسمكة يصبحون إذا ما حاولوا الخروج من ذلك العالم ، فهم يجدون كلّ النشوة في السعادة التي يصنعونها عبر الاتصال الزائف والانفعال الواهم ، وقد وصل الأمر ببعض الأطفال إلى حدّ الانتحار تلبية لمتطلبات المرحلة التي بلغوها في لعبة الكترونية ما ، ناهيك عن تضخّم الهوّة الثقافية والقيمية التي تفصل الأبناء عن جيل الآباء .

وقد كانت عالمة النفس الأميركية كيمبرلي يونغ من أوائل الأطباء الذين درسوا هذه المشكلة ، فأطلقت مصطلح الإدمان الالكتروني عام 1994 .م ، ولا يزال الموضوع مُحاطا بالكثير من الغموض الطبي ، لكن القراءات الأولية للمتابع البسيط والذي يُلاحظ السعادة التي تظهر على معتادي استخدام الانترنت والقلق الذي يبدونه في حال انقطاع الاتصال ، تُمكّن من الاعتراف بشكل ضمني بذلك التفاعل الكيميائي الذي يتم في الدماغ بشكل لا إرادي مع المحتوى المُقدّم ، في حالة شبيهة بتأثير مراكز العاطفة والتحليل في حالات الإدمان على الموّاد المخدّرة ، إلاّ أنّ الإدمان الإلكتروني لم يدخل بعد حيّز التصنيف باعتباره واقعاً مرضياً ، فهو يمثّل إلى الآن حالة افتراضية يمكن ملاحظتها على المستوى الفكريّ ، ما يتطلّب مزيداً من البحث والدراسة لإثبات خطورته على صحة الفرد النفسية والاجتماعية وحتى البدنية ، وذلك من خلال ما تُخلّفه أوقات الاستخدام الطويلة من آلام في الظهر والرسغ والرقبة والعيون .

إذن لا بدّ أولاً وقبل كل شيء من الاعتراف بوجود المشكلة ، ليتم وضع الخطط العلاجية ضمن أُطر نفسية وسلوكية ، وتحديد الأسباب الكامنة وراء الإدمان وإيجاد آليات المواجهة ، وحتى تكتمل الصورة بشكل علميّ ، فإن المهمة منوطة بالوالدين ، وذلك بمراقبة الكيفية التي يتفاعل بها الأبناء مع تكنولوجيا الاتصال ، وتتبّع المحتوى الذي يستدرج اهتمامهم ، والتدخل بشكل حاسم في تحديد أوقات الاستخدام ، والتعويض بحالات اتصال أسرية تُشبع حاجاتهم وتملأ فراغهم وتُشبع فضولهم .

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com