د. شروق أبو حمور

ملاحظة: الأسماء الواردة في الحالات التي يتم ذكرها لا تمت لأصحابها الحقيقيين على أرض الواقع بصلة.

كثيرة هي العناوين والشعارات التي تمر على مسامعنا مرور الكرام، فلا نبحر في تفاصيلها ومدلولاتها إلى أن نعايش حدثاً يجعلنا ندرك كل حرف من حروفه ودلالاته، وهذا ما حصل لي.

«من بعدي حياة» كانت حملة كنت أُمثِلُ مؤسستي لحضور فعاليته والتي كانت تهدف إلى تشجيع شرائح المجتمع الأردني بكافة فئاته، لتشجيع وتفعيل ثقافة التبرع بالأعضاء، ومررت عليها مرور الكرام، مندهشةً في داخلي من جراءة المقبلين على التبرع باعضائهم لاتخاذ قرارٍ مصيري مثل هذا بعد موتهم.

ومضت أيام وسنون لأعايش حالة مريضٍ تعرض لحادث تصادم أثناء قيادته، ويبلغ من العمر «34» عاماً،وأدخل لقسم العناية الحثيثة.

رأيت أنين أبيه، ودموع أمه، والتي تعاني سرطاناً انتشر في جسدها، وجلست أمام ابنها وهو مشخص بموت دماغي، وتخاطبه بكلمات تقشعر لها الأبدان، كان أبسطها: «سبقتني يما المفروض أنا مكانك» ومضت أيام وذاك المريض على حاله، يمكث بين يدي رحمة ربه، وأسرته تهمس وتتشاور مستذكرةً وصية ابنهم في حياته وهي التبرع بأعضائه.

«روعة» كانت تلك المريضة التي تملأ ضحكاتها وحدة غسيل الكلى، شابةٌ في مقتبل عمرها، شخصت منذ خمس سنوات بالفشل الكلوي، تحضر للمسشفى ثلاث مرات في الأسبوع من أجل اجراءات الغسيل، وهي أمٌ لطفلة تبلغ من العمر «11» عاماً أنجبتها بعملية تلقيح صناعي «طفلة أنابيب»، بعد عشر سنواتٍ من زواجها.

كانت أمها تعاني السرطان وتلتزم روعة مرافقتها في مراحل علاجها المختلفة، وكانت تسمع الكثير من الكلمات الجارحة يوججها لها أخوتها خلال المراحل تلك، «روعة روحي انتي مع أمي اليوم على موعد المستشفى إنتي ما عندك أولاد تلتهي فيهم».....» روعة:» أنا حامل وما بزبط اتعرض لأشعة مع أمي انتي بزبط لانك مش حامل».

ومضت أيام علاج أمها ولسان قولها: «يا ربي يا روعة أفرح بذريتك قبل ما أموت»، وفعلاً حملت روعة بين احشائها لتنجب الأميرة، وكانت حفيدة الجدة المدللة، وفي نفس اليوم الذي اتمت به الحفيدة عامها الأول توفيت الجدة، وكأن الله تلطف في الأقدار وأخرها ليفرح قلب بعضهم.

وفي تلك الأثناء وبعد ولادة روعة لطفلتها، شخصت بالفشل الكلوي بسبب الهرمونات التي تناولتها من أجل التلقيح، «روعة» ما زالت تذكر ذاك اليوم الذي اتمت به اجراء فحوصاتها وتلك المكالمة التي قام بها طبيبها والوقت والتاريخ منذ خمس سنوات: «الان بتيجيني على المستشفى، انتي لازم تبلشي غسيل» ومضت ايام وسنون تاركةً روعة عملها، ومتفرغةً لعلاجها.

ليحضر بعد ذلك ذاك المريض، ويشخص بموته الدماغي، وتكون بعد موافقة الأهل ووصية المتوفي دماغياً على التبرع بأعضائه، لتكون روعة هي المريضة التي تطابقت انسجتها والمريض لاجراء عملية زراعة الكلى، ويهاتفها طبيبها، بعد خمس سنوات من تلك المكالمة وفي نفس الوقت واليوم والتاريخ، ليقول لها هذه المرة: «الان بتحضري للمستشفى، وبتجهزي اغراضك، لاجراء عملية الزراعة، يوجد متبرع ويوجد تطابق في الانسجة بينك وبينه».

تبرع ذاك المريض بكليته لروعة، وهو لا يعرفها ولا تعرفه ولم يربط بينهما الدم الذي فشلت جميع صلاتها الدموية ان يكون هناك تطابق في الأنسجة بينها وبينهم، «لم يجمع بينهم الدم ولكن جمعتهم الانسانية» واجرت روعة عملية الزراعة وتكللت بالنجاح لتعود لحياتها كما كانت.

وأحيا آخر بقلبه.

وأحيا آخر بكليته الأخرى.

وتبرع بقرنيته.

وكبده.

جميع عمليات الزراعة التي أجريت لمرضى آخرون تكللت بالنجاح، وكانت هذه الحالة والتي عايشت تفاصيلها جعلتني أدرك من خلالها:

أنه لكل أجلٍ كتاب فلا علاقة لموت مريضٍ قبل صحيح، أو كبيرٍ قبل صغير.

أن الموت يقابله الحياة.

اليأس يقابله الأمل.

الضيق يليه الفرج.

أن الله قادر عل أن يقلب موازين كل شيء بين لحظةٍ وضحاها.

وقررت وأنا بكامل ارادتي بأن أكتب وصيةً أتبرع بها بأعضائي بعد وفاتي.

سأهدي كبدي إلى احدهم

وعينيّ

وكليتيّ

وقلبي سأزرعه في أحدهم لعله يعيش فرصةً أفضل، ويحظى بمشاعر أنقى وأطهر، اذا ما اختلفت الأجساد وصعدت الروح إلى السماء، ليعانق ذاك القلب روحاً جديدة لم يألفها، وينعم بحياة أفضل لم يستطع أن يحاياها برفقتي.

لقد أيقنت قول الشاعر:

ضاقت ولما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرجُ

«من بعدي ستكون حياة»