أ.د. جودت أحمد المساعيد

خبير المناهج وطرق التدريس

يُقصد بتمايز التدريس Differentiating Instruction للطلبة الموهوبين، إيجاد خيارات متعددة، بحيث يمكن للطلبة من مختلف القدرات والاهتمامات والحاجات أن تتاح لهم الفرص المتساوية للتعامل مع طرقٍ تعليميةٍ تعلميةٍ، يستطيعون استيعابها واستخدامها وتطويرها وتقديم المفاهيم كجزء من العملية التعليمية التعلمية اليومية، بحيث تسمح لهم أن يتحملوا مسؤولية أكبر لتعليم أنفسهم بأنفسهم، وإيجاد الفرص المناسبة لتطبيق كلٍ من تدريس الأقران، والتعلم التعاوني، والتعلم النشط، ومهارات التفكير الإبداعي، ومهارات التفكير الناقد، ومهارات حل المشكلات بطريقة إبداعية.

ولا يعتبر تمايز التدريس بالنسبة للطلبة الموهوبين والمتفوقين شيئاً جديداً، بل لقد ظهرت المطالبة به منذ بداية عقد التسعينيات من القرن العشرين، بينما أصبح فيما بعد أداة مهمة لأنشطتهم الفردية والجماعية. كما يمثل تنويع التدريس أداة ضرورية لتكامل التكنولوجيا مع الأنشطة التعلمية التعليمية داخل الحجرة الدراسية.

ومن المعروف أنه يمكن وجود مجموعة من الطلبة في الحجرة الدراسية الواحدة ممن ينجزون أنشطتهم أو واجباتهم أقل من المعدل العام للشُعبة، في الوقت الذي ينجز بعضهم الآخر بمستوىً أعلى بكثير، وأن هذه الاستعدادات والقدرات بين الطلبة تختلف من صفٍ إلى آخر، ومن مدرسةٍ إلى أخرى، ومن مادةٍ دراسيةٍ إلى أخرى، ومن وقت لآخر.

كل هذا يفرض على المعلم الفعال أن يطرح أنشطة وواجبات تناسب حاجاتهم التعلمية أكثر من مناسبتها للمادة الدراسية أو الصف الدراسي. وهذا يعني أنه من الضروري طرح ما بين ثلاثة إلى أربعة خيارات للطلبة في الصف الواحد، وليس خيارات كثيرة بعدد الطلبة الموجودين. فالاستعدادات والقدرات والاهتمامات مختلفة بين الطلبة، بل وبين الطالب نفسه من وقت لآخر. وفي نظام التدريس المتمايز أو المتنوع، فإن جميع الطلبة لديهم الفرص المتساوية للمشاركة في الواجبات والأنشطة التعلمية المتعددة.

وإذا ما أراد المعلم القيام بعملية التحضير لتمايز التدريس، فإن عليه تحديد الاختلاف في الاستعدادات والاهتمامات والقدرات بين الطلبة من جهة، والاختلاف في أنماط التعلم المناسبة لهم من جهة ثانية، وذلك عن طريق استخدام الأدوات والاختبارات المتنوعة التي تقيس الانجازات المتعددة من تحصيل المعرفة أو اكتساب المهارة أو الاتجاه الإيجابي المرغوب فيه.

وبالنسبة للمعلم الجديد في تجربة تمايز التدريس داخل الحجرة الدراسية، فإن عليه أن يبدأ أولاً بالتنويع في المحتوى، أو التنويع في الأساليب، أو التنويع في النتاجات التعلمية لكل مجموعة من مجموعات الطلبة داخل الحجرة الدراسية. وما أن يكتسب المعلم خبرة في هذا المجال بعد ذلك، حتى يقوم بالتنويع في الخطوات الثلاث الأخرى، وبخاصة عند تعامله مع الطلبة الموهوبين.

صحيح أن المفاهيم الأساسية المطروحة في محتوى المنهج المدرسي المقرر هي واحدة لجميع الطلبة، بصرف النظر عن قدراتهم العقلية، إلا أن صعوبة كل من المادة المطروحة حول هذه المفاهيم، والأنشطة التعلمية الضرورية لها، وإجراءات التقويم اللازمة للتحقق من مدى استيعابها واكتسابها، تبقى مختلفة كثيراً، بحيث يقوم جميع الطلبة من فئة الموهوبين والمتفوقين بعملية التحدي إزاء ذلك، ولكن لا يوجد من هو محبط من بينهم، لأن كل فرد منهم يسير وفق قدراته واهتماماته وحاجاته.

وبالنسبة إلى عوامل نجاح عملية تمايز التدريس للطلبة الموهوبين فيتمثل أهم عامل منها في التأكد جيداً من أن ما يقوم به المعلم من تمايز في مجال المناهج وطرائق التدريس هو من النوعية عالية المستوى. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإنه باستطاعة المعلمين التأكد من أن يركز المنهج المدرسي على المعلومات الأكثر قيمةً وفائدة وفهماً، وأن يتم التخطيط للدروس والأنشطة التعلمية لضمان تفاعل الطلبة بحيوية عالية معها فهماً وتطبيقاً وتوظيفاً، وأن يتم اختيار المواد التعليمية والتعلمية والواجبات الصفية والمنزلية ذات الاهتمام الكبير والواضح بالنسبة للطلبة الموهوبين، وأن تتصف عمليات التعلم من جانب الطلبة بالنشاط والحيوية والفاعلية، وأن يشعر كل طالب بالمتعة في التعلم والقناعة في فعالياته المختلفة التي يتم تنفيذها.

ومع ذلك، فيوجد نوع من التحدي يواجه العديد من المعلمين القائمين على عملية تمايز التدريس، يتمثل في أن ينعكس ذلك التمايز على النواتج التعلمية العالية المفروض أن يحققها الطلبة الموهوبين. لذا، تبقى المبادئ العامة الآتية من الوسائل الضرورية لتمايز التدريس مثل ربط عملية التقييم المستمر بدقة تامة مع العملية التعليمية والتعلمية، حيث على المعلمين أن يكونوا ماهرين في تجميع المعلومات عن طلبتهم، وكيف يتعلمون من وقت لآخر، وإلى أين وصلوا في مستوياتهم من حيث اكتساب المعارف والمهارات والاتجاهات المرغوب فيها، مع ضرورة العمل الجاد والمضني من جانب المعلمين لتوفير الأنشطة عالية المستوى والتي تثير تفكير الطلبة وتحفزهم على التعلم، مع ضرورة النظر إلى كل ما يقوم به الطالب من جهدٍ أو عملٍ باهتمامٍ كبير، والتركيز فيه على المفاهيم والمهارات الأساسية. فلم يعد مقبولاً أن يُعطى التمرين الواحد والمثير للملل لمجموعة من طلبة الصف وإنه بدلاً من ذلك، ينبغي أن يتعامل كل طالب بشكلٍ مستمرٍ مع واجبات صفية ومنزلية، بحيث ينظر إليها المعلمون والطلبة في وقتٍ واحدٍ على أنها مفيدة ومثيرةٍ للتفكير. كما يُمثل تشكيل المجموعات المرنة علامة مهمة في الأنشطة الصفية المطلوبة لفئة الموهوبين، إذ على المعلمين العمل على التخطيط الدقيق لفتراتٍ إضافيةٍ من التدريس، بحيث يشترك الطلبة في مجموعاتٍ متنوعةٍ، للقيام بأنشطةٍ تعلميةٍ هادفةٍ تحت إشراف هؤلاء المعلمين.

بالإضافة إلى ذلك، فإنه ينبغي على المعلمين أن يحددوا الطلبة من الموهوبين والمتفوقين الذين يعملون ضمن مجموعات عمل. فالمجموعات المرنة تسمح للطلبة رؤية أنفسهم في الفعاليات والأنشطة التي تستخدم الموضوعات المدرسية المختلفة والوسائل التعلمية المتنوعة في مواقف تعلميةٍ عديدةٍ تحقق الكثير من الأهداف التربوية المنشودة.

profjawdat@yahoo.com