كتب المحرر السياسي:

لم يتأخر رد الفعل التركي كثيراً على توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان الذي تم قبل ايام, اذ اعلنت انقرة وعلى لسان الرئيس رجب طيب اردوغان, ان الإتفاقية المصرية اليونانية «لا قيمة لها» وهي باطلة, مؤكدا في الوقت نفسه ان بلاده ستستمر في عمليات التنقيب شرقي المتوسط.مضيفا في تحدٍّ واضح: لسنا في حاجة للتباحث مع من ليس لديهم اي حقوق في منطقة الصلاحية البحرية, لافتا الى ان بلاده ستُواصل الإلتزام بالإتفاقيات الموقعة مع ليبيا بـ«حزم كبير».

في الآن ذاته كانت وزارة الخارجية في حكومة الوفاق الليبية المدعومة من تركيا, أصدرتْ بيانا قالت فيه: انها «لن تسمح لأحد بالاعتداء على حقوقنا»، مؤكدة ان حكومة الوفاق ماضية في تنفيذ مذكرة التفاهم الخاصة بترسيم الحدود البحرية الُمبرمة بينها وتركيا في شهر تشرين الثاني الماضي، واصفة الإتفاقية (مع انقرة) بانها لا تتعارض مع القانون الدولي للبحار والإتفاقيات والمواثيق الدولية الخاصة بذلك..

ما من شك ان التبايُن في مواقف الأطراف الأربعة (انقرة/ طرابلس والقاهرة/ أثينا) واضح ولا يحتاج الى تفسير, بقدر الحاجة الى قراءة الأبعاد الجديدة التي ستترتب على توقيع الإتفاقية المصرية اليونانية, التي شكلت حاجزا كبيرا امام اتفاقية اردوغان/ السراج, بعد نجاح القاهرة واثينا في حل خلافاتهما حول ترسيم الحدود البحرية, الأمر الذي كانت انقرة راهنت عليه لمواصلة عملية تنقيبها على النفط والغاز في شرقي المتوسط. سواء بالقرب من ليبيا ام في ما خص المناطق المتنازع عليها في ارخبيل الجزر اليونانية في بحر ايجة, وهو ما كانت المستشارة الألمانية ميركل نجحت في وقفة مؤقتاً، ما لبث الرئيس التركي ان اعلن عودته عنه، عندما أُعلن عن ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان.

منسوب التوتر آخذ في الإرتفاع رغم حرص اثينا كما القاهرة, على عدم عسكرة النزاع (على الحدود البحرية تماما كما شأن الصراع داخل ليبيا وعليها, وبخاصة على جبهة سرت- الجفرة والذي سربت انقرة انباء تتحدّث عن وساطات لــ"تسليم» سرت والجفرة لحكومة الوفاق, وهو امر لم يتم تأكيده من اي طرف اقليمي او دولي, ما بالك ان الحديث يدور حول تصعيد وحشد في القوات والعتاد وبخاصة بعد مواصلة قوات الجنرال حفتر الإعلان عن إسقاط مزيد من الطائرات التركية المُسيّرة, والمترافق مع تحذيرات لأي سفن او طائرات تقترب من السواحل الليبية, وإشارات تبدو كرسائل من واشنطن بأنها عاقدة العزم على منع تزايد النفوذ الروسي داخل ليبيا, حيث باتت موسكو لاعبا رئيسيا في الأزمة الليبية اضافة بالطبع الى تركيا, اذ يعمل الرئيس الروسي بوتين مع نظيره التركي على التوصل لإعلان وقف دائم للنار, فيما تُصر انقرة على موقفها القائل: بان لا سبيل لتكريس وقف دائم لإطلاق النار سوى بـِ«لتسليم» مدينة سرت وقاعدة الجفرة لحكومة الوفاق/ السراج.

التوتّر بين دولتين في حلف شمال الأطلسي هما تركيا واليونان (دون إهمال قبرص كدولة في الإتحاد الأوروبي) يفرض نفسه على المشهدين الاوروبي والأطلسي, في الوقت ذاته تقف فرنسا الى جانب اليونان ومصر وتنتقد بشدة التدخل التركي في الأزمة الليبية, في الوقت ذاته الذي ترى فيه (بروكسل) محاولة من أنقرة لتنفيذ أهداف سياسية وأخرى ذات صلة بالسيطرة على الثروات الليبية وثروات شرق المتوسط, بما هي حقوق لقبرص العضو في الاتحاد الأوروبي والذي لن يُسمح لأنقرة بتجاوزها تحت طائلة فرض عقوبات, تُدرك أنقرة أنها ستؤذي اقتصادها الذي يعاني أزمات متدحرجة, ليس فقط من تداعيات جائحة كورونا وإنما أيضًا في انهيار سعر صرف الليرة التركية وفي الانكماش الاقتصادي وارتفاع نسب البطالة والتضخم وارتفاع المديونية وخدمة الدين..

وإذا كانت أثينا قد لوّحت باللجوء إلى محكمة لاهاي, إذا عجزت (اليونان) عن التوصل إلى اتفاق مع تركيا لتسوية خلافاتهما في منطقة البحر المتوسط، فإن رفض تركيا الاعتراف بحقوق الأطراف ذات الصلة في شرق المتوسط ومنها قبرص ومصر واليونان,فإن الأمور متجهة نحو صدام عسكري تعلن الأطراف كافة أنها غير راغبة في مسار كارثي كهذا, ستكون له بالتأكيد تداعيات على التحالفات وموازين القوى القائمة الآن, والمُرشّحة إلى انهيارات وبروز معادلات واصطفافات أخرى, لن تُفضي إلّا إلى مزيد من الإستقطاب في مشهد إقليمي مُتفجّر, يصعب إبعاده عمّا يشهده العالم من توترات ومصاعب اقتصادية واجتماعية, جرّاء فشل المجتمع الدولي وبخاصة الدول المتقدمة بإيجاد لقاح يمكنه وقف هذه الجائحة التي تواصل الفتك بدول ومجتمعات عديدة.

يجدر هنا التذكيرأن إسرائيل وتركيا لم تُوقِّعا اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار, التي تمّ الاتفاق عليها في العام 1982 وهو ما استندت إليه القاهرة وأثينا عندما وقّعتا اتفاقية ترسيم الحدود بينهما, وهي اتفاقية تأتي «سلبًا» على الحدود البحرية التي تمّ ترسيمها بين تركيا وحكومة السرّاج، تلك الاتفاقية التي قالت مصر واليونان أن اتفاقية أردوغان/ السرّاج لم تعد موجودة, فيما ردّ الرئيس التركي بأنّ «لا قيمة» للاتفاقية اليونانية المصرية، ما يرفع من احتمالات الصدام بين الأطراف الأربعة, التي هي وكما هو واضح ليست وحدها بل ثمّة دول وأحلاف تقف خلفها, وبخاصة أن تركيا تقول: أنّ الاتفاقية المصرية اليونانية انتهاك لحقوقها في منطقة أعالي المتوسط وللحقوق الليبية أيضًا.

والحال فإن إرسال القاهرة وأثينا الاتفاقية (بعد انتهاء الإجراءات القانونية) إلى الأمم المتحدة, بما يعنيه ذلك من إضفاء بُعد قانوني «دولي» ومعنوي أيضًا عليها, سيزيد من احتمالات تعثّر الحل السياسي للأزمة الليبية التي باتت مسرحًا للصراع المفتوح بين دول عديدة ,وإن كانت تركيا تبدو في موقف أضعف من باقي الأطراف الأخرى، ليس فقط بعد استعادة «الجيش الوطني» الذي يقوده الجنرال خليفة حفتر حضوره وتجميع صفوفه واستعداده (كما يُعلِن قادته) على مواجهة و«هزيمة» قوات حكومة السرّاج, وإنما أيضًا في دخول أطراف عديدة على خط الصراع الذي بات يحمل طابقًا اقتصاديًأ وطمعًا في ثروات البحر المتوسط, وخصوصًا في الهيمنة على الثروات الليبية وموقع ليبيا الجيواستراتيجي, الذي لا تُخفي دول عديدة أنّ الفرصة سانحة الآن أكثر من أي وقت مضى, لحجز مقعد لها في أي حل سياسي أو عسكري لهذه الأزمة وعدم السماح لدولة أو محور مُحدّد في الفوز بالكعكة الليبية.

في السطر الأخير.. الحديث عن عودة إحياء اتفاق الصخيرات المُوقّع في العام 2015 واحتمالات توافق الأطراف الليبية على إدخال تعديلات عليه، سواء كانت محدودة أم مُوسّعة, بات رهنًا بإرادة عواصم إقليمية وأخرى دولية, وبخاصة أنّ المشهد الإقليمي بات أكثر سيولة وخلطًأ غير مسبوق للأوراق, وتحديداً إذا نجحت أنقرة في دفع «مالطا» لتوقيع اتفاقية ترسيم حدودها البحرية مع حكومة الوفاق/السرّاج.