د.نادية هناوي

(ناقدة عراقية)


تحتل نظرية الأجناس الأدبية موقعاً مهماً في ميدان الأدب لصلتها الوثيقة بتصنيف الأبنية النصية كقوالب تتمظهر أو تتنوع على وفق تلك الأجناس الأدبية التي لكل منها قابلية على التداخل النصي مع جنس آخر، لكن ذلك التداخل لا يكون جزافياً فتضيع كلياً حدود النصين المتداخلين وينفرط تقولبهما ولا يعود هناك تجنيس أصلاً.

والتفرس المنطقي في هذا التداخل سيقودنا إلى ضرورة وجود نهاية حتمية في هذا التداخل منها يبتدئ الجنسان بالتهجين ليحتوي أحدهما الآخر انصهاراً أو ذوباناً، فتتجسر المسافة بين جنس أثبت رسوخه وقدرته على العبور وجنس لم يعد كذلك، نظراً لطواعية ذوبانه وهشاشة حدوده وقد اندمج في الأول الذي صار عابراً عليه.

وهو ما ينطبق على الرواية بوصفها جنساً أدبياً عابراً، ينماز قالبها بالقدرة على هضم أجناس أخرى سردية وشعرية. والسيرة بوصفها نوعاً سردياً أتوبوغرافياً قابلاً للانصهار في جنس الرواية إنما تنطوي على أشكال كتابية متنوعة منها السيرة الذاتية، والسيرة الذاتية التخييلية التي يسميها (جيرار جينيت): «السرد الذاتي القصصي»، والمذكرات، والاعترافات، واليوميات، والشهادات، والرسائل، والوثائق (أو «الأوتيرتريه»)، وذكريات الطفولة، والوثائق المعيشة وغيرها من السرود السيرية التي تندرج في مجموعها في خانة الأدب الشخصي، وفيه يتحرر الكاتب من الحذر والتردد وهو يريد توثيق ما مر به من تجارب ومغامرات اقتناعا منه بأهميتها، شاعراً بالمسؤولية في أن ما اكتسبه من خبرات ملك للآخرين وينبغي اطلاعهم عليه لينتفعوا منه في حياتهم، مصارحاً قراءه بالأسرار التي يريد ومكاشفاً إياهم بالنوازع التي يرغب.

بيد أن هناك فروقاً بسيطة في هذه السرود السيرية، فالذاتية منها كما يرى

(فيليب لوجون) هي «محكيّ استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة، فتتطابق ذات الكاتب مع ذات السارد».

أما المذكرات، فهي أيضا محكيّ استعادي يقوم على البوح الشخصي، لكن التطابق بين الكاتب والسارد يظل زمنياً فقط محصوراً في الماضي. وهناك شكل ثالث هو السرد الاعترافي الذي يختلف عن الشكلين السابقين في أن التطابق يغدو منتفياً بين الكاتب والسارد وذلك بتعدد أصوات الحكي باستعمال ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب، وهو ما يسهل على السارد - الذي يحاول إيهام القارئ أنه هو الكاتب - استنطاق ذاته وكأنها شخصية أخرى تقابله، محاولاً حملها على الإقرار من خلال مخاطبتها إما تودداً مبتغياً مواساتها أو منتهراً لها متخلياً عنها أو آخذاً بيدها واعظاً ومرشداً وهو في الحقيقة إنما يُخاطب ذاته التي انشطرت عنه فصارت كأنها شخصية أخرى تقف أمامه، مندفعاً بالتخييل على تحقيق التطابق بين تجاربه الشخصية وتجارب الكاتب. وهو ما يجعل نسبة التخييل في السرد الاعترافي أعلى بكثير من نسبته في الأشكال السيرية الأخرى.

وإذا كانت السيرة الذاتية سرداً توثيقياً؛ فإن السرد الاعترافي سرد تبريري هو أقرب إلى السيرة الذاتية التخييلية بسبب المحكي الاستعادي بضميري المتكلم والمخاطب والتبئير الداخلي باستعمال تقانات تيار الوعي، كالمونولوج بأنواعه، والمناجاةن والتداعي بالمنتجة الزمانية والمكانية.

ومن الروايات التي تضمنت في قالبها السرد الاعترافي وعَبَرَت عليه، رواية «الرجال الذين يحادثونني» للكاتبة (اناندا ديفي)، والتي ترجمها شربل داغر وصدرت عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت ضمن سلسلة «إبداعات عالمية».

هذه الكاتبة مورشيوسية الأصل فرنسية الجنسية، عملت مترجمة في أول حياتها، ثم دخلت عالم الكتابة السردية فاحترفته، ومن أشهر رواياتها «لابود ريبو» المنشورة في عام 1988، ومن مجموعاتها القصصية «هدية لاكشمي»، ولها أيضا عدد من المجموعات الشعرية. وقد نالت أعمالها القصصية اهتماما نقديا، لما فيها من استراتيجيات تركز فيها على صور الهيمنة الذكورية وأشكال مركزيتها البطريركية، ومنها واحدة بعنوان «أناندا ديفي: النسوية والفن القصصي وتعدد الأصوات» لريتا تياجي (2013)، وفيها درست تعدد الأصوات وتنوع الساردين عند (ديفي) وكيف أنها تعطي القراء فسحة للتأمل والتفاعل تعايشاً مع الواقع النصي. وهو ما جعل هذه الروائية أنموذجا جيدا للكتّاب المجايلين لها.

وقد نالت رواية «الرجال الذين يحادثونني» في فرنسا شهرة بوصفها رواية نسوية تحكي معاناة المرأة أينما تكون، مغلبة وجهة النظر الانثوية في رؤيا العالم مستثمرة عددا من التقنيات الإبداعية.

وذهب شربل داغر إلى عدِّ الرواية سيرة ذاتية، بيد أن التطابق الوهمي بين الذات الكاتبة والذات الساردة وانشطار الساردة إلى شخصية أخرى تواجهها مع مسرودات مذكرة هو الذي يجعل الرواية توصف بأنها اعترافية، فيها ضمير المتكلم يتناوب مع ضمير المخاطب تدليلاً على حالة الانشطار التي تبررها الساردة بالكلام، رافضة صمتها ومقرة بهشاشتها، معترفة بضعفها ومدلية بأخطائها مقاضية ذاتها، مستجوبة دواخلها لعلها تعرف سبب هذا المصير الذي انقادت إليه مرغمة.

وتمقت الساردة/ الشخصية نفسها وتنقم عليها، فهي ساحرة وحاوية أفاعٍ ودودة، واصفة إياها بالقبح والمسخ باحثة عن مهرب فتجده في موجة، متناصة مع قول (فرجينا وولف): «فيَّ تتصاعد الموجة لقد بلغت الذروة» (ص21).

ومن جانب آخر، تسعى الساردة إلى إيهام القارئ أنّ هناك تطابقاً بين الذات الكاتبة وذات الشخصية، متقصدة تغييب حالة الانشطار داخلها كنوع من تبرير الدونية الأنثوية متذرعة بالرجال الذين هم سبب هامشيتها وهم الذين صادروا وجودها: «كل هؤلاء الرجال الذين يحادثونني.. الولد، الزوج، الأب، الأصدقاء، الكتاب الموتى والأحياء.. لائحة طويلة من الكلمات.. من الساعات الممحوة والمستعادة.. من المباهج المنقضية، ومن عبارات الود الجريحة.. أنا ممنوحة لكلام الرجال لأنني امرأة» (ص15).

ولا تجد الشخصية بداً من تدمير ذاتها بينما تحاول الساردة حملها على الاعتراف مستنطقة إياها بضمير المخاطب، ليتبين لنا أنّ الرجل هو سبب مأساتها، ففيه ترى نقصها وضعفها وبؤس جسدها وسوء أفعالها هاربة إلى زمن كانت فيه صبية في الخامسة عشرة عائدة من ثم إلى زمن السرد الحاضر الذي فيه الرجل يحادثها، مستعملة تكنيكين حواريين يعطياننا إحساسنا بحضور الكاتبة، هما الحوار المحول غير المباشر باستعمال (يقول لي)، والمونولوج غير المباشر باستعمال ضمير الغائب.

وإذا كان استرجاع الذكريات يُشعر الشخصية بالتوازن؛ فإنّ العودة بها إلى زمن السرد يجعلها مندحرة بكلام الرجل الذي لا خلاص منه إلا بالكتابة التي ستخرجها من أزمتها: «سمحت لي كتبي بفتح أبواب الحبس وبأن أفعل ما أشاء، بيد أني لا أقوى على العيش في كتبي وحدها.. كان يعنيني الذهاب إلى نواة الحب المعتمة وفهم ما فيها.. أما الكلام فينغرز في المقابل اعمق في اللحم ويثقبه مثل فيروس في الدم ويتفشى فينا ويدمرنا ببطء دافعا بنا صوب اليأس» (ص60).

وبذلك تكون الرواية نسوية وهي تعرِّض بالنظام الذكوري تاريخاً وثقافةً، منتقدة هيمنته المركزية التي جعلت «كل امرأة تجد نفسها في حالة عبودية لرجل ما» (استعباد النساء، ستيوارت ميل، ص29)، فارضة عليها الصمت والتبعية والوصاية، وهو ما تثور عليه الساردة كذات ترفض أن تعيش على نحو ثابت ومتحنط داخل مجتمع مغلق يفرض عليها الصمت والإهانة والاستصغار، وتفضل أن تكون ذاتاً تتكلم بهوية خاصة، ساردة قصة حياتها معترفة بكل عيوبها ونواقصها.

وإذ تتخذ الساردة من الكلام سلاحاً؛ فلأنّ بالكلام تتحقق مركزية المرأة: «الكلمات ملجأي وحكايتي.. أقول نحن وكان يتعين علي أن أقول أنا» (ص74)، جامعة بين الضمائر، مشككة أن تكون كتابتها مجرد سيرة ذاتية: «أنا حذرة من استعمال كلمة (رواية ذاتية)، غير أن كل كتابة ربما لا تعدو كونها غير ذلك متخفية في ألف شكل وشكل.. حتى حين نسعى إلى الكشف المجنون عن أنفسنا فإننا نحولها إلى رواية أو لعلنا نفهم ذات يوم أنه ليس من الضروري استعمال الشخصيات للعودة إلى أنفسنا» (ص72).

وهو ما تجد فيه (جوليا كرستيفيا) تشفيراً نهائياً لأعمق آلامنا ومصائبنا وأخطرها، فتنكشف السلطة المقدسة للدناءة والبشاعة في نهاية المطاف».

ومهما كان الوجود متلبساً بالدونية والعار والنقيصة، فإنّ الساردة تعتزم الاعتراف وهي تسرد قصة حياتها في رواية «الرجال الذين يحادثونني» كدليل على مركزيتها في إثبات وجودها، وأنها في النهاية ستنتصر على خيباتها مؤكدة بقاءها على قيد الوجود.