"رسائل من الشاطئ الآخر".. هي مجموعة رسائل متبادلة بين الكاتب الصحفي المصري حسام عبد القادر والدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا.. حول هموم وقضايا مشتركة تهم الوطن بمفهومه الشامل، وتعبر عن كثير من القضايا التي تؤرقنا نحو وطننا وتتحدث عن الغربة خارج الوطن وداخله، خاصة قضايا الهجرة والسفر والهروب عبر البحار والمحيطات لمستقبل غامض على أمل في غد أفضل.

هذه الرسائل الأدبية لكل من حسام عبد القادر ودلال مقاري تذكرنا بجنس أدبي افتقدناه كثيرا وهو أدب الرسائل أو فن الرسائل والذي يعد من الفنون الأدبية القديمة، وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية القوية. والرسالة نص مكتوب نثرا، يبعث به صاحبه إلى شخص ما، كما تعتبر الرسالة الأدبيّة من أهم فنون السرديات؛ حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها.

الرسالة الأولى.. الحُلم



صديقتي العزيزة.. دلال

كسرت نظارتي.. وعرفت أني لن أعبر ولن أذهب.. هل هو فأل سيء.. منذ متى وأنا أهتم بهذه العلامات، لم تكن أبدا ضمن قاموس حياتي.

لعن الله الفيروس، لقد غُلقت الأبواب، ولم يعد مسموحا بالعبور لأي مكان، اصطدمت الأحلام بأبواب المطارات المغلقة، وتكسرت أمام الحواجز، لماذا يريدون منعي؟ لماذا لا أستطيع العبور؟ إن أوراقي سليمة وليس معي أي ممنوعات، ولكنهم يصرون على المنع، هم حتى لا يتحدثون فقط يشيرون ومن مسافة كبيرة، لا يريدون اقترابي.

عندما ازدادت الحدود بيننا، وكثرت الحروب، وما أن تخبو حرب حتى تشتعل أخرى، قررت قطع كل المسافات وعبور كل الحدود وتحدي الحروب وأذهب، قررت أن أتجاوز خوفي ورهبتي وأرحل، منذ زمن بعيد والمحاولة مستمرة، إلى متى سأظل أحاول، المشاعر وحدها لا تكفي، ولكن لابد أن يعقبها خطوات.

على الشاطئ الآخر، هناك آمال وأحلام تنتظرني، سأحفر الصخر، وأشق الطرق، وأحمل الصعاب وأذهب هناك، يقولون أنها الجنة، ولا يوجد جحيم، فكل شيء معد مسبقا لاستقبال المغامرين.

نعم لقد شاهدت كثيرا من الأفلام تؤكد هذا، وقصص النجاح والنجاة والخلاص ملأت الصحف والروايات، فلأجرب لكي تكون قصتي وحيا لروائي أو مؤلف سينمائي، ستكون قصتي هي الأكثر تشويقا، والأشد إثارة وسوف يشاهدها أو يقرأها كل من يريد العبور ويعرفون تجربتي.

لا لن أنظر لبعض الأقصوصات التي تحكي عن الفشل، أو عن الموت البطئ، ولا عن الموت غرقا قبل الوصول، هذه قصص يريدون أن يثنون بها عزم المغامرين ويقصدون بها إحباطهم عن حلمهم حتى لا ينعمون بالجنة، هي خيالات ليس لها واقع، بل أقرب إلى الخزعبلات.

لقد عقدت العزم ولا مفر من الذهاب، وسوف تستقبلني هناك وتحتضني وترفعني لعنان السماء، سأحزم حقائبي واملأها بالشجاعة والعزيمة والإصرار، ولن أنسى حلما واحدا من أحلامي.

حسام عبد القادر



صديقي العزيز.. حسام

هل صحوت؟

كيف يبدأ نهارك على الضفة الأخرى؟

هل تحتسي القهوة وتسمع فيروز، حين تطالع جريدة اليوم الجديد؟

أين تقذف قدمك خطوة البدء؟ وهل تمشي مثلنا على الرصيف؟

أين تنظر عندما تفتح نوافذ الحياة؟

هل يزورك طيفي الناحل في رغوة القهوة؟

هل مازال هاجس الرحيل يطلق قميصك للريح؟

وأنا هنا مواسم لهجرة سنابلي، على الرصيف الآخر من الحياة، تطحنني رحى الغربة، والشوق!، فأصير خبزا من زعل، لايمضغه جوعي!ـ

كل الجهات حنيني، أجوب الظلام بأنامل ذاكرتي المضيئة

أحيانا حسام، أشعر أن خطواتي الظمأى، قد أخطأت مسيرها نحو الغدير.ـ

تركت شجرة الكلام من بعدي تغني

صديقي حسام، لا تطلق جناحك للسفر، ابقى هناك، دع حصانك يقفز فوق ظله، فوق خوف من فراغ، فوق زحمة الكلمات والشجر المحروق إنتظارا

ماذا أحكي لك؟ وأي كلام أردم فيه المسافات (يالله.. هنا أشتاق للغتي أكثر!)

تتعب مني الحكاية والأجنحة والسفر، ولا أتعب

سامحني أن اتسلل إليك كخيط من نور في خندقك المحصن، أطرق جدار الخزان (خائف كنت أم حزين !).

أردت فقط أن ألوح بإشارة بيضاء، تخبرك أنني مازلت أحيا، في غربتي (وأريد أن أحيا بسلام).

كأنني خفقة طير أضل! لا تحدثني عن الهجرة حسام، لا تحدثني عن رحيل الغيم

تمنيت أن تكتب لي عن بحر الإسكندرية، وأين يمضي الموج؟

لماذا الصمت؟!

جاوبني صديقي حسام!

لم أزل في غربتي!

د. دلال مقاري باوش