كتب: حسين دعسة

دكة مقهى على طريق البحر

حدثني جاري، ذكر لي غرام طريق البحر عندما تعرف على أرجيلة مذهبة تؤجرها سلوى لركاب آخر الموسم، قبيل زمهرير الشتاء الصحراوي.

يقول، وقد يكون صادقا؛ ذلك ان الحياة اكلت منه الكثير، فهو أعور، أشيب، فى قدمه اليسرى عرج، لا يمضغ الطعام، يعب الشراب دون حساب.

مما اذهلني من سيرة الراكب، انه يضع علامات على دكة يجلس عليها دائما، يحفر حرف "س" السين، ويعشق الحروف في كل مرور!

في ليلة من ليالي كانون المتأخرة، هبت ريح شرقية، غامت عيناه بالدموع، وهاج كالجمل التائه، اصدر صفيرا ونادى الغيم.

-سلوى.. سلوى.

عذبني صبي المقهى عندما قال لي انه سيعود في الصباح، فهو عاش ٦٧ عاما وهو يعد أغنام سلوى التي شردها شتاء كانون.

1 - زهرة الصبار المر

حرث ظل شجرة برتقال وارفة، ابتعد عن الساق خطواث ، تمادى في الحفر، مد يده وزرع بصلات صبار بري مر!

طمر التراب، أرخى حزام الجلد ووضع المنجل تحت رأسه ونام.

اينع زهر البرتقال، غابت البراعم عندما استدارت حبات من الثمر الحلو.

اشتعل شوك الصبار، زحف يلتقط الشوك ليقهر خيالا تنقر رأسه الغربان.

2 - دمع الرصاص المصهور

تعجب، منذ كان في ربيعه السادس من مشهد النار، وسخان الفولاذ الذي يتم صهر الرصاص فيه الى حد الغليان.

كان مبيض النحاس يشغل الحي بطرق المعادن من قدور وسدور وصحون وملاقط، ينقر احمر الحديد المشتل ليصنع فأسا او سكة محراث.

الولد الصبي أرسلته امه الي مبيض الحي، تطلب دمع الرصاص المصهور.

غاب الشاب في غربة العمل، تحسس حجابا مغلفا بالكاشمير الأخضر، نام وقال في الصباح نفك الحجاب.

ليلة زفاف ابنته البسها حجاب دمع الرصاص، بكى طويلا وهو يتحسس الهواء حول رقبته.

3 - حبل الغسيل.

قميص واحد، ثلاثة قمصان، ثانيه مطبوع بالكاروهات البنية والخطوط الرمادية،..

-أيضا.. تذكرت صف الجرابات، يا للهول، لديهم أزواج و أزواج كثيرة من الجرابات الجميلة.

نظر إلى حبل غسيل أمه، فتح فمه وكتم ما دار في حلقه من كلام وتأوهات.

قال لي:

-كان مجرد حبل غسيل، لا ينافس غسيل أمي التي غسلت قميصي الوحيد، إلى أن ذابت اصابعها.

4 - منديل وعطر السيد البدوي

تاه

تدحرج..

عطس، تلقفته السيدة بلهفة غريبة، قالت، سيدنا، زدنا بركة!

عمرها عن بعد، هاج حنينها للأموات.

-جود يا صاحب البركات.

نداولها المنديل وبقايا عطر بردي يشبه دمع العروس البكر، اجهشهت، ناولت حارس المقام فضة عزيزة.

في لجة الشوارع، مات الطفل

باتت ليلتها تندب رائحة العطر وغمزات خادم المقام.

دفنت متاعها كفنا للطفل والقت قارورة الشؤم إلى كلاب الشوارع.

5 - خيط ابيض

لم يجد ضالته في علبة الحلوى المعدنية، مخبأ بقايا الازرار والخيط وكتشبان الإبر ذات السم النحاسي.

خيوط من الوان عادية، يريد خيطا ازرقا نيليا، ملعون زر القميص الذي فرط، حظه انه التقط الزر العجاجي الموشح، التبس عليه الحال، الأمر يمكن أن يكون سهلا،، خيط ابيض يرمم ما انفرط!

-ربما.

-لا يمكن تشويه القميص.

-من ينتبه إلى خيط ابيض منبوذ.

-اللعنة؛ الزر يتوسط أعلى القميص، لنجرب، بأن الخيط الأبيض، تذكر وسام جائزته الفضية،

تعلق لمرة وحيدة، خاط الأبيض، نسي طريق العمل، جلس ينتظر الفراغ، همس له بائع أدوات الخياطة الدواج، لا نبيع خيوطاً آتية من السماء.

6 - سردين زيت وشطة

في قعر طرد المعونة وجد علبة ، تحسسها شمال يمين، من أعلى، من اسفل، هي علبة حديدية، وعد النفس بوجبة من الطرد، فالفول اليابس، الفاصوليا وحتى الرز، لا حيلة له على طبخها.

طرق العلبة على ارض غرفته الباردة، طرق بعنف، سأل خيط من زيت زفر.

ابتهاج، طرق كثيرا.. مال براسه نحو الأرض، لعق الزيت والشنطة.. غمس بصمت رائحة سردين محجوب بين صفائح حديد.

تحسس الظلام بعصاه ونام يغني قلبه البصير.