لن يكون ممكنا الإحاطة بتفاصيل كل ما حدث في مرفأ بيروت يوم الثلاثاء الفائت. فالتقارير تتحدث عن جزئيات من تلك الصورة المؤلمة. ومن أبرز تلك الجزئيات، مقتل مئة شخص، وجرح أربعة آلاف.

أما الأضرار المادية، فقد قدرها رئيس الجمهورية ميشال عون بما بين 3.5 مليارات دولار، بينما أشار آخرون إلى أن المعلومة أولية، وقد يصل الرقم الفعلي إلى أكثر من ذلك بكثير.

ما يميز الفاجعة اللبنانية التي وصفت بأنها الأكبر في تاريخ المنطقة، والتي تحاكي، نسبيا، ما حدث في هيروشيما، أن تبعاتها لن تتوقف عند حد، وأن اللبنانيين سيعانون طويلا نتيجة لما حدث. فقد تم تدمير المرفأ وتعطيل كل مرافقه، التي تعتبر شريان الحياة الرئيسي والوحيد، والذي لا يمكن استيراد أي شيء إلا من خلالها.

وفي التفاصيل، أتى الانفجار وما تبعه من حرائق على كافة الموجودات في المرفأ، ومنها مستوردات القمح، والنفط، وكافة المواد الغذائية، ما يعني أن عملية الاستيراد تحتاج إلى إجراءات وترتيبات ووقت طويل، وستكون مرهونة بجهود إصلاح مرافق المرفأ، وقبل ذلك توفر السيولة لكل تلك المتطلبات.

وبالتزامن، يجمع خبراء البيئة أن الفاجعة لا تتوقف عند الحدود اللبنانية، وأن تأثيراتها ستمتد إلى مساحات واسعة، ودول أخرى، ولفترات طويلة. فالغبار الكيماوي الذي نجم عن الانفجار سينتشر إلى مسافات طويلة أقربها جزيرة قبرص التي تبعد 250 كيلومترا، وإلى دول مجاورة، وستترسب تلك الأغبرة في التربة وتلحق الأذى بالمزروعات والأرض والإنسان.

اللبنانيون يدركون حجم الكارثة التي حلت بهم، وبوطنهم، ولا يستبعدون أيا من الاحتمالات المطروحة فيما يخص مسببات الحادثة، ومنها ما يتردد على نطاق ضيق من أنها ناجمة عن عمل عدواني، وعلى نطاق واسع فرضية الإهمال. ويشيرون في هذا الصدد إلى مسارين اثنين يحكمان الملف، أولهما الخلافات السياسية المستحكمة، والتي ترتقي إلى مستوى التهديد بالمواجهات بين تيارات داخلية متخاصمة، إضافة إلى التهديدات الخارجية، وثانيهما، معلومة تم الكشف عن تفاصيلها، وتتعلق بعدم وجود هيئة مشرفة على المرفأ، حيث انتهت فترة ولاية الهيئة منذ عدة سنوات، وإخفقت الحكومات في تشكيل هيئة بديلة.

لكنهم يرون أن الإشكالية واحدة من سلسلة قديمة جدا، وأنها حدثت على خلفية الأزمة السياسية التي عاشها وما زال يعيشها لبنان.

أما البعد الآخر في تلك الكارثة، فيتمثل بالسوداوية التي تحكم رؤيتهم للمرحلة المقبلة، بدءا من الأزمة السياسية والاقتصادية المعاشة، والتي تحد من القدرة على توفير متطلبات تجاوز الأزمة، كما تحد من إمكانية إدارة الحراك الدولي المتعاطف مع الشعب اللبناني، والراغب بتقديم المساعدات الممكنة لتخطيها.

من هنا، يتوقف المتابعون من خارج لبنان، عند المطالب الشعبية المتزامنة مع الفاجعة، والتي تساوي بين رحيل القيادات التاريخية، بما في ذلك الحكومة، وبين الحلول المتاحة لتلك الفاجعة، وتفصيلا، هناك من يضيف على العناصر الاحتجاجية المطروحة منذ عدة أشهر تخوفا من عدم القدرة على إدارة عملية التحقيق والوصول إلى المسببات الفعلية لما حدث. ويشيرون إلى الكثير من الملفات التي شهدت عمليات تحقيق محلية او دولية.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com