ذاع صيتُ «تأبَّط شرّاً» في زمانِه، حدَّ أنّ زوجة أحد «الجُبناء» طلبت منه أن يذهب الى «تأبّط»، ويطلب منه أن يبيعه اسْمَه أو بالأحرى «لقَبه».. فلعلّه يكون له من اسمه نصيب.. ويُقال إنّ الزّوجة كانت ذاتَ مالٍ وفير.. فقرّر الأستاذ تأبّط شرّاً أن يبيع.. ومَنَحه ذلك اللّقب، مقابل المبلغ الكبير الذي قدّمتْه زوجةُ ذلك «الأهبل»، ولكنّه لم يُصبح ولا لحظةً واحدةً، الرجل الذي تمنّته الزوجة لزوجِها.. وبقيّة الحكاية معروفة، ولا حاجة لتكرارها.

وما دام الشيء بالشيء يُذكر، فإنّ «تأبّط شرّاً» الذي كان يسبق كُلَّ حيوانات الصحراء في عَدْوِه، ويصطادُها بيديه العاريتين - دون أيّ سلاح - ويحبُّ أن يشوي ما يصطادُه على النار التي يوقدُها بقدحِ حجرٍ بحجر.. ويأكلُ منها ما يسدُّ به جوعه، ويترك ما يتبقّى لسائر الحيوانات، لتسدّ هي الأخرى بها جوّعها.. ويمضي إلى حيث تقوده قدماه، في الصحراء الكبيرة الواسعة.. حتّى يجوع من جديد.

وفي يومٍ من أيّام الحرّ الذي وصلت فيه درجة الحرارة إلى ما يُطاق.. اشتمّ «تأبّط شرّا» رائحة شواء أتية من مكانٍ بعيد.. فسعى نحوها.. إلى أن وصل إلى محلّ «شاورما»، يقف عنده الناسُ طوابير طويلة.. فقرّر ان يصف في الطابور مثلهم، وهو الذي يكره الطوابير.. الى ان وصل الى «السّيخ» المعلّق في صدر المكان، فخيّل اليه انه غزال، او ما شابهه مما يصطاده الصيادون في الصحاري.. وشدّته رائحة الشواء، التي تعود عليها، فاشار للرجل الواقف وراء «السيخ» وطلب منه ان يعطيه منه شيئا.. لكن الرجل طلب من «تأبط» ان يدفع مقابل ذلك، مالا، فلم يفهم - على الرغم من انه من آل فهم - وكرر طلبه ان يعطيه من ذلك الشواء، فطلب منه مرة اخرى مالا!! فما كان من «تأبط» وقد استفزه الرجل، الا ان استل سيفه، واخذ السيخ كله دون مقابل.. وحين قرّبه من فمه - احس بطعم غريب - وشم فيه رائحة غير رائحة الشواء المألوفة.. فألقاه بعيدا وارجع سيفه الى غمده، ووقف بعيدا ليُلقي على الناس من المتحلّقين حول ذلك المكان قصيدته القصيرة جدا وهي مكونة من ثلاثة ابيات فقط، قالها وهو يموت او يكاد، من السُّمْ، الذي تسلل اليه من رائحة «الشواء العجيب»، مجرّد الرائحة:

ولقد علمتُ لَتَعْدُوَنَّ عليّ شيمٌ كالحَسايلْ يأكُلْنَ أوصالاً، ولَحْماً كالشُّكاعي غَيْرَ جاذِلْ يا طيرُ كُلْنَ فإنّني سُمٌ ولكنْ ذو دَغاوِلْ.

والمقصودُ هُنا: أنّه يستخفُّ بالموت، ويُعبِّرُ عن قوّتِهِ وعنفوانِه، ويتباهى بأنّ لَحْمهُ سيكون سُمّاً لمن يحاول أكله، حتّى بعد موتِهِ.