أكرم الله ضيوفه في رحاب البيت العتيق وأسبغ عليهم بنعمه وعودتهم إلى بداية جديدة وصفحة ناصعة بيضاء وقلوب سليمة وضمير مرتاح وكم هو مؤثر منظر الحجيج في مكة وعلى صعيد عرفات وفي المزدلفة وفي كل ركن من اركان البيت والحرم المكي.

سعي مشكور وذنب مغفور برعاية الرحمن لضيوفه على امتداد من سمع ولبى وكتب له أداء فريضة الحج هذا العام ومن قبل ومن بعد بعون الله وتوفيقه وعلى مد البصر لمن يشاهد من تجرد من كل ما له من صلة بمغانم فانية وعابرة.

وبالمقابل نشاهد وعن قرب ضيوف الدنيا ممن يريدون كل مغنم لأنفسهم ولو على حساب الآخرين ودون اعتبار لأي من المشاعر والأخلاق وحتى أدنى مقومات الحياة ونداء الضمير ومعنى الواجب.

ضيوف الدنيا لا يريدون تركها إلا وقد امتلأت جيوبهم وبيوتهم وخزائنهم بكل ما تميل إليه النفس وبكل زينة الدنيا وبكل بند من بنود الراحة الممكنة وبكل رغبة من رغبات الذات البشرية.

المسافة شاسعة بين ضيوف الرحمن وضيوف الدنيا؛ الفئة هاجرت الدنيا راضية مطمئنة والثانية تهرول إليها راغبة بازدياد وكثرة وتفاخر، فهل نعي بحق درس الحياة ونحن جميعا ضيوف على الدنيا في مشوارنا إلى الدار الباقية؟

غادر الدنيا ملياردير مختنقا وثروته تكفيه لشراء أجهزة تنفس اصطناعية كثيرة ولكن رئته لم تفسح المجال له لاستنشاق الهواء ففارق الحياة وترك الدرس للأحياء بأخذ العبرة والاكتفاء بعيش الحياة بدل البحث عن أرصدة لا تغني عن الحق شيئا.

ضيوف الدنيا سوف يذهبون يوما ما ويغادرون دون اخذ ما يتبقى لغيرهم من بعدهم وسوف يغادرون دون رغبتهم بذلك حتما، فهل يكون لوفاة نتيجة تسمم غذائي عبرة لضمير غائب عن الوعي وهل يكون لعذاب الضمير فرصة للتدبر في سكرات الموت؟

حين نزور المقابر في العيد ونشاهد على مد البصر تلك المساكن لمن غادر الدنيا دون ان يحتفظ بشيء سوى عمله فقط وترك ما يملك للورثة من بعده، فهل نتعظ في أمر زيارتنا للدنيا ومرورنا العابر إلى دنيا الحق؟

طوبى لضيوف الرحمن في الدارين ممن يسعون لمرضاة الله والتزام طاعته في السر والعلن ويقرنون ذلك بالمخافة واليقين والاجتهاد وبذل الغالي والنفيس مقابل راحة البال والضمير.

وأما الآخرون «وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَار» سورة إبراهيم (42).

fawazyan@hotmail.co.uk