صرفتُ النظر عن حلوى العيد وسارعت بالتقاط كوز- عرنوس -ذرة مشويّ تم قطفه وإنضاجه بالحال بفرن حطب حجري «من المقلَع للمبلَع»..

تداخلت نكهاته مع طوفان صور متلاحقة لأيام خلت تناولتُ حينذاك كوز ذرة بحقول برية عند مغيب شمس الأصيل بمزارع ممتدة تعبق بها رائحة الذرة الصفراء المنعشة يتخللها احتراق خفيف لحبّاتها المحمّصة كتوليفة استثنائية تعبق بالروح والقلب والوجدان فتطرب لها النفس وتترنح على موسيقى «نوستالجيا الحنين للماضي».. للزمن الجميل البعيد والقريب.. قبل هبوب كوارث الاحتلال وتلوث الأجواء وأوبئة آخر الزمان.. كلها من صنع الإنسان وليس أي إنسان بل الذي يحمل بداخله مخزون الأنانية والجهل والطمع..

وحملتني «نوستالجيا الذرة المشوي» بمحطاتها بفترات الطفولة والصبا والنضج..عندما كانت الحياة يانعة والزمن الجميل كثيف بجماله عميق بجذوره عندما كنا أطفالا نلهو بمزارع منطقة «رفيديا «عصراً.. ضاحية صغيرة بغرب نابلس تداخلتْ معها الآن لتصبح جزءا منها..

كم راقبنا الغروب والنسائم اللطيفة تنساب معلنة نهاية يوم حار/ بحرارة عادية محتملة/ لم تضخّمها عوامل التلوث والتغيير المناخي،وكم شاهدنا عملية حرق سنابل القمح لاستخراج «الفريكة» فنفرك بأيدينا الصغيرة السنابل الساخنة ونقضم قمحها الطري الناضج قبل تحولها الى فريكة جافة...اكْل طبيعي مئة بالمئة لا منكّهات ولا مواد حافظة ولا هرمونات نتبعها بتناول كيزان الذرة المشوية بنهم بعد الركض والوثب والنطنطة بين الحقول حيث لا تلفزيون ولا ايباد ولا أيفون كنا سعداء بدُنْيا ترشح نظافة وبساطة بعيدا عما تنضحه التكنولوجيا من ملوّثات.. ونعود مساء لنغتسل من عبق الفريكة والذرة الطبيعيين وسرعان ما نغطّ بنوم عميق..

وأتوقف بمحطة اخرى «بسهول دابوق» قبل عقود..

كانت خالية الا من حقول القمح التي تتراقص سنابلها تحت اشعة الغروب الأرجوانية كنت الجأ اليها مع اطفالي/ الصغار بحينها/ فنتراكض بينها بينما الخيول المنتشرة ترعى بأرجائها في حين يطل بائع الذرة المشوية يبيعها للمارة فيعود لي عبق «رفيديا» وأثيرها الخرافي الذي دعسه جشع الاحتلال..

وأما «الآن» فقد التهم الإسمنت المسلح «سهول وروابي دابوق»!

وتمرّ السنون ويتكرر المشهد الخرافي للذرة المشوية بالصعيد المصري - أسوان - بعد رحلة بأعالي النيل بقوارب شراعية بيضاء تنساب كإوزات على سطح النيل يانيل يا ساحر العيون.. ترى ما مستقبل نيل مصر في ظل النزاعات حول «سد النهضة»!

فعلا.. ما أحوجنا بأوقات الجفاف الحياتي لأن نسترجع اللحظات الطريّة المنزرعة بذاكرة العقل الباطن ليست «ذاكرة –ديليت-» التي تطفح بها أجهزتنا الإليكترونية..

كنا نخلّد اللحظة بذاكرتنا وبروحنا لأننا عشناها متفاعلين بأعماقها الإنسانية الصادقة، راشفين قطرات سعادتها حتى الثمالة، بعكس زمننا الذي تتزاحم فيه اللقطات المسجَلَة.. غير المُعاشة.. وكيف لا؟ وقد بعثرنا معنى اللحظة وقيمتها وتشتد البعثرة وتتكاثر: «بعثرة الإنسان.. ومشاعر الإنسان.. وتركيز الإنسان.. وعمق الإنسان» حتى بات كل شيء ضحلاً سطحياً لا لون له ولا طعم ولا رائحة..

ربّاه متى الخلاص.. فقد أعيانا زمن المخاض وعسر الولادة!

hashem.nadia@gmail