ليس هناك قارئ لا يعرف معنى هذا العنوان بل يعرف كذلك كم يؤدي الناشرون من الخدمات الجُلى للمجتمع في مجالات العلم والمعرفة والثقافة ومدى معاناتهم من قوانين المطبوعات والنشر القمعية في أكثر البلاد العربية امتدادً لتاريخ الورّاقين منذ القدم وحرق كتب ابن رشد في الأندلس ابلغ مثال على ذلك، ويعرف القارئ أيضاً كم يساهمون من خلال الطباعة والترويج والتوزيع في نقل الآداب والفنون بين مختلف الشعوب ويكفي ان نتذكر معرض الكتاب كحدث مهم يقيمه عندنا كل عام اتحاد الناشرين العرب ويشرع أبوابه لكل الشرائح كي تنتقي من كل قطر وكل لون ما تشتهي من آلاف الكتب الجديدة التي يصعب العثور عليها عادةً الا بالبحث والجهد رغم تسهيلات وسائل التكنولوجيا في هذه الأيام .

هذه المهنة العريقة ‏أصبحت صناعة كبرى تتفاوت خدماتها من دولة لأخرى فهناك دور نشر رفيعة المستوى لا يحظى بشرف موافقتها على إصدار كتاب ما إلا ضمن شروط صارمة في الانتقاء بعد التدقيق من قبل لجان متخصصة يُكْتَم عنها اسم المؤلفة او المؤلف ضماناً لمزيد من الحياد والتجرد، وهناك دور أخرى ترضى بنشر أي كتاب مهما ضَؤل شأنه ولا يشفع لها قولها بأنها تعطيه فرصة الظهور! ومن المعلوم بالمقابل أن الكاتب القدير هو من تتهافت عليه دور النشر للفوز بطباعة كتابه فالشرف هنا متبادل كما السمعة العطرة.

ما يعني القارئ في أي مكان في العالم أن يجد بين يديه كتاباً يحب مطالعته ويُعجب ‏بطبعه واخراجه وتبويبه، لكنه يُصدم حين يكتشف ما لا يرضيه من أخطاء مطبعية او لغوية سواءً في القواعد أو الإملاء وتبلغ صدمته حد الغضب والاشمئزاز حين تكون دار النشر المسؤولة محاطة بهالة إعلامية ‏أو إعلانية تُشيد بحرصها على إخراج منشوراتها على أفضل وجه!

أقول ذلك وقد استفزني في الشهر الماضي ‏كتابان قرأتهما بعد أن سعدتُ بالتعرف شخصيا على مؤلفيْهما (العراقية والأردني) فأصبحت أكثر لهفةً على الاستمتاع بانتاجهما وإذا بي أُصفعُ بكمّ كبير من الأخطاء المطبعية والإملائية واللغوية التي يصعب عليّ قبول أي عذر ‏للناشريْن في ارتكابها حتى وإن جمعتني بهما معرفة ومودة لأني موقن بأن من المستحيل لمثل هذه السقطة التي أساءت للمؤلِّفيْن والمؤلَّفيْن ولدار النشر ‏نفسها ان تقع لو دققها مصحح لغوي! وليس معقولاً ان نظل صابرين على امثالها في كتبنا انتظاراً لوصول تكنولوجيا التصحيح الفوري الإلكتروني!

وبعد.. لا أُنكر أني ما لمست اليوم إلا قشرة الموضوع وأن في جعبتي بعدُ كلاماً كثيراً حرصتُ على ألا يخرج وفيه شبهة استخدام منبر احترمه للتنفيس عن ضيقٍ من تجربة شخصية، لكني قصدت ان ادع لفطنة القرّاء وبخاصة الكتاب منهم استكناه قضية النشر في بلادنا والمشاركة بأي نقد إيجابي يعزز مكانة هذه المهنة الكريمة.. من اجل انتاج افضل.