... في منتصف التسعينيات، دخلت السجن... كانت تجربتي متنوعة بين التوقيف في مهجع وبين الزنازين الانفرادية، كنت أعرف أن السجن يقيد الحرية... وأن القضبان تحيط القلب قبل أن تحيط الجسد، وأن اللص والنصاب، والمجرم.. جميعهم يصبح لهم ذات القلب، وذات الدمع.. وذات المحاجر، لكن السجن علمني أمراً مهما وهو: كيف تصمد وكيف تكون مع قلبك.

قبل (5) سنوات أيضاً، تم توقيفي لمدة تزيد على أسبوع في سجن ماركا، وكنت كل ليلة أعقد في المهجع محاضرة عن الحياة والحب، عن الوطن والحنين... (شطفت) المهجع مع الرفاق، ونظفت بقايا الزيت من علب السردين، وغسلت ملابسي... وقمت بتسليف (كاوشوك) وهو نصاب مستجد، ما يقارب (13) سيجارة، و(7) دنانير غير مستردة... لم أقدم نفسي للسجناء على أني الكاتب المرموق الذي يجب أن يدلل، ولم أقدم نفسي على أن قضيتي سياسية.. بل همست في أذن أحدهم قائلاً: ان القصة مرتبطة بالشيكات.. وسرت شائعة في المهجع تفيد بأني (مزور).. لكن مأمور السجن فضح الأمر وأخبرهم بأني موقوف على قضية مطبوعات ونشر..

في السجن أيضاً، لم أخجل من (القمل) وحكة الرأس، ووقفت في الرابعة فجراً مع العد.. وكان لي وظيفة محددة نتطوع بها نحن المساجين، فحين يكمل الضابط المناوب عد المهجع والتأكد من وجود الجميع... كنت أهتف: يحيا الأردن.. يحيا الأردن... وذات مرة طورت الهتاف وصرخت بأعلى صوتي: أميركا هي هي أميركا راس الحية.. استغرب مأمور السجن ورفاقي من النصابين ضحكوا، ومن ثم دخلنا المهجع.

اخر مرة سجنت فيها، وخلال الـ(3) أيام الأولى صرت (شاويش المهجع)... والقائد الذي يفاوض الضباط بشأن الطعام، والإمام الذي يفسر لهم الايات القرآنية... و(فكاك النشب) الذي يردم فجوة الخلاف بين نصاب، ومزور ساعات... وكنت الشخص، المخول بشراء بطاقات الهاتف... والمحاضر غير المتفرغ في شؤون الحب والحياة.

أنا لا أسرد هذه المقدمة بحثاً عن بطولات، ولكن حين تقدم على عمل يستفز الدولة والقانون عليك أن تدفع ضريبته، وعليك أن تقبل بدفع الضريبة حتى لو كانت ظلماً.. عليك أيضا أن تكون سجيناً، ولا تتوقع من سجين أن ينظر لرفيقه في المهجع على أنه (سوبر مان)... فكلكم سواء.

آخر مرة سجنت فيها، يشهد الله أني كنت أعاني من الضغط وآلام (الدسك) والمعدة.. وعلى باب السجن قمت برمي كل أدويتي، ودخلت التجربة دون أن أعرف كم سأبقى.. وكم من الانتظار سيمر على صدري.. وكم من الشوق سيجتاحني وكم سيذبحني الحنين لأولادي.

أحزن على الذين يسردون البطولات، ويؤججون الشوارع...ويضربون بكفوفهم أضلع الصدور، وينصبون من أنفسهم أبطالا علينا..أحزن حين أسمع أنهم نقلوا للمستشفى..لا تصدقوا أنهم مرضى، هم ليسوا كذلك.. هم انهاروا حين شاهدوا المهجع..وحين شاهدوا (السطل) الأبيض الذي تغسل فيه الملابس، وحين شموا رائحة المخدة..وحين لم يجدوا رفاه العيش الذي كانوا يحظون به...لقد انهاروا فقط هذه هي الحقيقة، تأكدوا أنهم ليسوا مرضى.. بل هم لم يكونوا بحجم العبارات التي أطلقوها حين كانوا يمتلكون حريتهم...فأنا كنت أعرفهم جيداً.. وكنت أحاول أن أداويهم، وأعلمهم الصبر.

كل يوم أترحم على أبي، وأعرف أنه كان صارما قاسياً.. كان يحبني بحجم الأرض، وكان لديه (قايش) مخصص لعقابي، اترحم عليه لأنه علمني.. كيف هو صبر الرجال على السجن والظلم والضيم.. يكون..

حين تسمعون بنقل سجين مستجد للمستشفى، تأكدوا أن القصة ليست مرتبطة بالمرض.. بل مرتبطة بقوة صمود هذا الرجل..

أحببت الأردن بكل جوارحي.. ليس لأنه وطني فقط، بل لأن السجن فيه حتى السجن.. يبقى أرحب وأجمل من فنادق الـ (5) نجوم في عواصم الغرب وتركيا.

Abdelhadi18@yahoo.com]