د.فيصل دراج

(ناقد فلسطيني)

كان الراحل حنّا مينة الاسم الأكثر شهرة في مجال الرواية السورية، جمع لروايته جمهوراً واسعاً من القرّاء، داخل وطنه وخارجه. أنتج رواية جماهيرية سهلة الأسلوب، لبّت قارئاً «أيديولوجي النزوع» وقارئات يُقْبِلنَ على حكايات مسليّة، وبقي عمله المبكّر «الشراع والعاصفة» الأكثر تميّزاً في مساره. جاء حيدر حيدر، المتأخر عنه زمنياً، برواية مغايرة تمتعت بنثر مصقول و"حساسية جديدة»، عاشت داخل الأيديولوجيا وخارجها، وانتهت إلى عمل ملحمي عنوانه «وليمة لأعشاب البحر»، أخذ مكاناً مريحاً في تاريخ الرواية العربية. قََدِم بعد زمن قصير نبيل سليمان، ناقداً وروائياً ومثقفاً ذا ضجيج، كتب الرواية واجتهد في تطوير روايته وأغلقها، بعد جهد طويل، بعمله الأخير «تاريخ العيون المطفأة»، الأكثر تركيباً وتميّزاً وطموحاً بين رواياته المتعددة.

ومع أن الأسماء الثلاثة، في أصدائها اللّامتكافئة، عاشت أزمنة اجتماعية-سياسية متنوّعة، فقد تلاها مبدعون من جيل جيد، له اقتراحاته الروائية الخاصة به، بدءاً بلغة جديدة ومقاربات مختلفة، انتهاء بعمل في الشكل، يُجدّد ويتجدّد ولا يحاكي ما سبقه. أعلن الشكل الروائي الجديد، بصيغة الجمع، عن تحولات اجتماعية أسقطت أشكالاً روائية، وفرضت نظراً خصيباً، يقول ما شاء همساً، يداخله طموح فني يعتبر الرواية ممارسة نوعية تترجم المعيش الاجتماعي وتحاور رواية كونية متعددة الأشكال.

ربما يكون أول الأسماء «الجديدة»، وبالمعنى الزمني، ممدوح عزّام، الصامت الذي يتأمل الصمت وينطقه بصوت واسع، منطلقاً من مكان ضيّق توسّع حدوده الرواية بأزمنة جمالية متخيّلة. تأمل في روايته الأولى «معراج الموت» شقاء الإنسان في مكان هجره التاريخ، واقتفى آثار الاستبداد في عمله الكبير «قصر المطر» الذي طُبع غير مرة. وإذا كانت «النهاية» مبتدأ كل مبدع حقيقي، فإن النهاية-البداية تجلّت في عمله الأخير «لا تخبر الحصان»، الذي ظهر مؤخراً، مترجماً عملاً دؤوباً ومضيفاً إلى الرواية العربية أحد أفضل أعمالها في السنوات الأخيرة. استطاع متخيّله الإبداعي أن يستولد من «بلدة صغيرة» طبائع إنسانية متوسعة، تتقاسم الجد والهزل والمأساة والملهاة. دحض عمله الجميل المبدأ النظري القائل: «إن الرواية ابنة المدينة»، وبرهن أن الرواية الحقيقية تتسع لجميع الأمكنة.

انزاح خليل صويلح زمنياً، بحدود قليلة، عن عزّام، جاء بعده وانصرف إلى مشروعه الروائي المتناتج ليأخذ، سريعاً موقعاً متقدماً في الطليعة الروائية العربية، ملغياً الحدود بين رواية سورية قديمة ورواية عربية جديدة، ذلك أن التجديد الذي جاء به، أسلوباً ونظراً وموضوعاً، يقصِّر عنه مجايلوه في أكثر من بلد عربي. رسم الحنين، بشفافية غير مسبوقة، في روايته «وسيأتيك الغزال» (2011)، وجدّد الرواية-الوثيقة في عمله «جنة البرابرة» (2014)، وبلغ حدود الإدهاش في روايته الأخيرة «عزلة الحلزون»، حيث للاغتراب أقاليمه القاتلة، وللنهار الدامي بطولة لا بطولة فيها. ربما يكون المصري صنع الله ابراهيم استلهم مبدأ «بطولة الحياة اليومية» من الأميركي جون دوس باسوس على مبعدة من السوري صويلح، الذي استلهم موهبته وما يعيشه، ولم يتوسل العون من أحد، وأعطى رواية لا تخلخل فيها.

يقف إلى جانب عزّام وصويلح، لا أقصد المقام والتراتب ولا الكتابة الروائية المبدعة، خالد خليفة المتنوّع في قضاياه وتقنياته وشكل صياغته، التي أعطته تميزاً لا يشاكل غيره، وأمدّته بخصوصية، تضع بينه وبين غيره سواتر مرئية وغير مرئية. بدأ مختلفاً في روايته «القرباط» عن حياة هامشيين لا يعترف بهم أحد. وتقدم سريعاً إلى روايته «مديح الكراهية»، التي لا تنقصها المجازفة، إذ مرت على مرحلة فاجعة من حياة السوريين، أتبعها برواية عن الأحداث الدامية في بلده عنوانها «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»، ثم رواية عن «الموت الشاق» الذي يدمّر أرواحاً هجست بالسلامة، لكن خالد خليفة لم يفصح عن أبعاده الروائية الرحيبة كاملة إلا في عمله الأخير «لم يُصَلِّ عليهم أحد»، العمل الملحمي الذي قرأ تاريخ حلب في قرن من الزمن، وقرأ فيه تحولات سوريا كلها، بدءاً من زمن مستنير منفتح على العالم، وصولاً إلى أرواح ميتة جلّلها السواد. بدأ في عمله الأخير، الذي لا نلتقي بمثله إلا صدفة، روائياً من نوع خاص، يقرأ التاريخ سياسة والسياسة تاريخاً، ويذيبهما معاً في فضاء من المجازات وجماليات اللغة والمعرفة الوثائقية المتعددة، منتهياً إلى ملحمة تذكّر الأحفاد بالأجداد، وترسم الأجداد بجمال مأساوي الانطفاء. وهو في هذا، كحال صويلح وعزّام، غيّر موقع الرواية السورية في المشهد الروائي العربي، وأعطى للتاريخ السوري قراءة روائية جديدة.

وهناك الروائي السوري، الذي اختار المنفى وبقي مشدوداً إلى تحوّلات وطنه. حال الطبيب النبيه وكاتب الرحلات خليل النعيمي، الذي كتب، في زمن مضى، روايتي «الخلعاء» و«مديح الهرب» وغيرهما، ووصل في رحلة الكهولة إلى روايته البديعة «قصّاص الأثر» التي عالجت ضعف الإنسان ومكر الوجود، وهو الروائي الطبيب خريج قسم الفلسفة.. ربما تكون «قصاّص الأثر» مجلى رحباً لقراءة «جماليات الأفول» قراءة فلسفية، حيث العشق وخدعة الزمن والتباس الطريق ومصارع العشاق، وروح الإنسان المخذول السائر إلى موته، وتلك الرغبة التي يأتي بها وجود أعمى لا يراهن عليه.

ومن مرايا المنفى حتى لو كانت مجزوءة، الروائية عبير أسبر التي جمعت بين الرواية والسينما، وانصرفت إلى جماليات لغة مثقفة في رواياتها «لولو» و«منازل الغياب» و«قصقص ورق»، وصولاً إلى روايتها الأخيرة «سقوط حر» الصادرة حديثاً في بيروت. قرأت الرواية تكسّر الإنسان واندحار القيم وغربة الروح الطليقة في «زمن الحرب» في سوريا، عبّرت عن تفاصيل الانكسار والاغتراب بلغة قطعت مع القاموس التقليدي، واستضاءت بموهبة داخلية وانتساب، غير مقصود، إلى عوالم «الحساسية الجديدة» التي تقاسمها أدوار الخرّاط وحيدر حيدر، كل على طريقته. رثت أسبر مدينة عريقة نُهبت عراقتها، وإنساناً سكنها نهبت تغيرات الأزمنة عوالمه الداخلية الدافئة، وتركت له القليل من كل شيء، باستثناء الأسى.

كتب الروائيون السوريون ما شاءوا كتابته، بإبداع مكتفٍ بذاته، في زمن سوري تعوزه الراحة ويشكو أكثر من حصار. قال الثائر الروسي لينين ذات مرة: «حين ترتبك السياسة يتقدم الأدب»، وقال نجيب محفوظ وهو يحاور جمال الغيطاني، مستأنساً باجتهاد للراحل لويس عوض: «حين تغيب الأحزاب السياسية، على الرواية أن تأخذ مكانها كحزب مختلف». ما قال به العلَمان الروسي والمصري أنجزه الروائيون السوريون بجدارة عالية، كما لو كانت أعمالهم تقول: «ما يقع على سوريا من حطام تردّ عليه الرواية ببناء يناصر الحياة».

إذا كانت عبير أسبر قد رثت مدينة دمشق، كمدينة ذاهبة إلى غيابها، فإن في المنجز الروائي السوري ما يعلن عن أرواح سورية تستعصي على السقوط.