عمّان - غدير السعدي

«كنت أخشى الانتقال الإلزامي إلى التعليم عن بُعد، لكن التجربة علمتني عدم إصدار أحكام قبل المحاولة، والأهم من ذلك، هو أن تحبّ ما تفعله».

هذا ما بدأت به المعلمة وفاء الحموري حديثها لـ$ والتي تعمل مُيسّرة منذ أربع سنوات في مركز بيت راس للتعليم غير النظامي في مدينة إربد الممول من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية.

وهي تساعد الطلبة المنقطعين عن الدراسة في سعيهم للحصول على وثيقة موازية للصف العاشر، مما يمكّنهم من إعادة الالتحاق بالدراسات المنزلية أو الالتحاق بفرص التدريب المهني.

ولكن مع تبعات أزمة كورونا وإغلاق المدارس والمراكز التعليمية، وجدت الحموري نفسها، كغيرها من المعلمين والمعلمات، في مواجهة تحديات جديدة مثل عدم توفر الاتصال بالإنترنت لدى الطلبة في المنازل، وبعد أن وفرت الوكالة الأميركية حزم الإنترنت لهؤلاء الطلبة، برز التحدي المتمثل في إشراكهم وضمان تفاعلهم في عملية التعلم عن بُعد.

لم تكن الحموري واثقة من كيفية تجاوب الطالبات مع الدروس عبر الإنترنت أو من الوسائل التي يمكنها استخدامها لتحفيزهنّ على التفاعل..

وقالت أن تحضير نفسها لحصّتها الأولى عبر الإنترنت استغرق منها وقتاً طويلاً، وأرادت تحفيز الفتيات ومساعدتهنّ على المشاركة في عملية التعلم عبر الإنترنت، ولهذا الغرض كانت انتقائية للغاية في مواضيعها وفي مقاطع الفيديو والألوان ونبرة الصوت التي تختارها للجلسة.

الحموري، معلمة مادة الرياضيات في مدرسة بيت راس الثانوية للبنات منذ عام 2013، قالت أن المركز كان حلم كل الأطفال الذين حُرموا من التعليم بسبب ظروف اجتماعية أو اقتصادية أو أسرية.

إذ يهدف البرنامج إلى إعداد وتمكين الأطفال المنقطعين عن الدراسة من خلال تزويدهم بالمعارف والخبرات وإكسابهم المهارات والاتجاهات الإيجابية التي تؤهلهم لمواصلة مسيرتهم التعليمية، أو الالتحاق بمؤسسة التدريب المهني.

ويساهم البرنامج، الذي يبلغ عدد الميسِّرين فيه نحو ٥٠٠ ميسِّر وميسِّرة، في بناء مستقبلهم وفي تحسين مخرجات حياتهم المستقبلية، (الطفل بفهم ذاته وبفهم التحديات التي تواجهه وبذلك يستطيع تحقيق أحلامه) على حد تعبيرها.

وترى الحموري أنه من أبرز التحديات التي تواجهها هو كيفية جذب الأطفال إلى فكرة التعليم بعد الإنقطاع عن التعليم والتسرب من المدارس.

وهي تغيرت نظرتها إلى الطالبات المتسربات؛ «كنت أعتقد أنهن الفئة الأقل تحصيلاً من الناحية الأكاديمية أو الفئة التي لديها صعوبات تعلم، واكتشفت أن أنهن لم يجدن المساحة الكافية للتعبير عن ميولهن وقدراتهن».

وبيّنت أن البرنامج اعتمد أسلوب كسر القالب التقليدي في التعليم وتفعيل منهجية التعلم التشاركي، مما ساهم في إطلاق إبداعات وأفكار رائعة ومبادرات بعد ما عانين من التردد والخوف..

ومع الوقت «اكتشفن ميولهن وقدراتهن وأصبحن أكثر ثقة بأنفسهن وأكثر وعياً بإحتياجاتهن، يعبرن عن آرائهن بكل ثقة فتحولت طاقاتهن السلبية إلى إيجابية، وتمكّنّ من تكوين دائرة أصدقاء، وأصبحن يحلمن بالأفضل».

وعبرت الحموري عن سعادتها بتلك التجربة التي قالت أنها أضافت لها الكثير، وأصبحت مصدراً في إسعاد الأطفال ورسم ابتسامة على محياهن, هذه السعادة انعكست شعورا بالرضا، ومساعدتهن في التغلب على المشاكل التي يواجهنها.

تحيط الحموري المنتسبات للبرنامج بالحب والاهتمام والتقدير، ليكون المركز مصدراً للسعادة وتحقيق الأحلام، من خلال طرح أفكار جديدة وأساليب تعليمية مبتكرة للتغلب على التحديات كافة، وتقول: «كل يوم عندنا قصص نجاح نراها في عيونهم, نظرات أمل تسعى لتحقيق أحلامهم».

وعلى رغم مخاوفها وشكوكها، كانت الحموري عاقدة العزم على النجاح، وهي تعزو الفضل إلى طالباتها في تعزيز ثقتها بنفسها ومنحها الدعم اللازم، وتقول: «حماس الطالبات هو الذي ساهم بشكل كبير في نجاح هذه التجربة وساعدني على النمو الروحي».

برنامج التعليم غير النظامي تنفذه مؤسسة «كويست سكوب للتنمية الاجتماعية في الشرق الاوسط» وتعمل بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم على فتح مراكز لتعزيز الثقافة للمتسربين في العديد من المحافظات بهدف اكساب الطلبة المتسربين المعارف والقيم والاتجاهات وتوسيع خياراتهم بهدف الالتحاق بالدراسات المنزلية و/أو مؤسسة التدريب المهني.

أطلق البرنامج عام 2004 بالتعاون مع الوزارة، يستهدف البرنامج الشباب والشابات خارج نظام التعليم الرسمي، الشباب من (13-18) عام، والشابات من (13-20) عام.

ويلتحق المنتفعون من البرنامج بثلاث حلقات دراسية، مدة الحلقة ثمانية أشهر، وفي نهايتها، يحصل المنتفع على وثيقة توازي الصف العاشر لغايات التدريب المهني أو التعليم المنزلي (مع مراعاة أسس وتعليمات برنامج الدراسات المنزلية).

ويعتمد البرنامج على منهجية التعلم التشاركي لتمكين الشباب والشابات ضمن بيئة آمنة، ليكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع، ويتبع البرنامج منهاجا معتمداً من الوزارة.

وتعتبر هذه المراكز غرفا صفية ضمن مدارس الوزارة في سائر محافظات، وتجهز كغرف نموذجية لتخدم عملية التعلم، يدير العملية التعليمية في المركز معلمون من الوزارة بعد أن تدربهم توفرها «كويست سكوب».

استفاد من البرنامج نحو 25 ألف شاب وشابة، من خلال أكثر من 130 مركزا في جميع المحافظات، وسطر العديد من قصص النجاح لشباب وشابات تغيرت حياتهم نحو الأفضل، منهم من استطاع إكمال مسيرته التعليمية والحصول على شهادات جامعية ومنهم من اتخد درب التعليم المهني.