رشيد عبد الرحمن النجاب (كاتب أردني)

في عصر ما بات يعرف بـ «زمن الكورونا»، رحلتُ بعيدا (دون العبور بالموانئ والمطارات لما هو قائم من ظروف الحظر تحسّبا ووقاية من الوباء)، ذلك أنني لم أتحرك من بيتي، وإنما كان ترحالي عبر صفحات عمل أدبي جميل يحمل عنوان على دروب الأندلس»، وهذه المنطقة موضوع الكتاب كان يمكن أن تكون مثارا للتساؤل ومدعاة للحجر الصحي.

وبقدر ما كان الترحال وهماً بدأت به هذه السطور، نجح د.سميح مسعود في نقلي عبر صفحات كتابه إلى دروب الأندلس، ولم يكن هذا الانتقال مزامنا لما يقارب الشهر من رحلته استعدادا لإنجاز هذا العمل فحسب، بل امتد قرونا وصولا لزمن دولة الأندلس.

وقد يحلو للبعض أن يتساءل: «في زمن يترقب العالم فيه المستجِدّ من أخبار الوباء، أراك تشغل نفسك بغابر الأيام وتعلّق الآمال بما مضى؟!».

وأقول إن زمن الكورونا هذا، وظروف منع التجول من أجل الأمن الصحي، أتاحا لي وقتا ثمينا علاوة على كوني متقاعدا، وإن القراءة هي خير استثمار له.. لا أعزل نفسي عن متابعة المستجد، ولكن لا أغرقها في تفاصيل متكررة تشكل عبئا على النفس وعلى المناعة. أما «ما مضى»، فذلك حكمٌ ألطف ما يمكن أن يوصف به أنه متسرع، ولعل في قراءة هذا الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون (2020) الكثير من المعلومات التي تشير إلى اهتمام قامات من أهل الفكر والأدب من الإسبان والعرب بما كان من حضارة زمن الأندلس، وما كان لهذه الحضارة من تأثير على النهضة في أوروبا، في مجالات الفلسفة، والطب، والفلك، وعلم الاجتماع، وغير ذلك، ناهيك عن المؤسسات الفكرية والثقافية التي تعزز هذا المفهوم، وتعطي هذه الحضارة حقها.

يصنف مسعود كتابه هذا على أنه من أدب الرحلات، وهو كذلك، فهو يتنقل بين دروب الأندلس، وصولا من المغرب حيث الكثير من المعالم التي تربط المغرب بالأندلس، وتجوّل في الأندلس مشاهدا، وواصفا، وقارئا، ومحاورا، ومستمعا ومستمتعا بكل هذا، ثم ينقله للقارئ في أسلوب سلس شيق، ما يجعل القارئ يفكر في أن وصف أدب الرحلات ربما كان وصفا موجزا بالنسبة لما ضمّه الكتاب من محتوى. ولم تكن فلسطين لتغيب عن كل هذا، بل ظهرت نقطةَ التقاء، وموضوع حوار، وفي كل الحالات موقع توافق حول القضية الفلسطينية وعدالتها، وكانت للكاتب مصدر فخر، إذ يتحدث عن الفلسطينيين الأمميين الذين ساهموا في النضال إلى جانب الجمهوريين ضد فرانكو واستُشهدوا هناك، ومنهم نجاتي صدقي وعلي عبد الخالق الذي كان موضوعا لرواية من تأليف حسين ياسين بعنوان «علي.. قصة رجل مستقيم».

حَفِل هذا الكتاب بمعلومات غزيرة عن مدن الأندلس ومعالمها، وكانت ملقا، ورُندة، وسرقسطة، وغرناطة، وقرطبة وإشبيليه وحتى «مجريط» أو مدريد وجارتها طليطلة، ميادين لهذه الجولات ومنصات ينقل من خلالها هذا الدفق من المعلومات. ولعل أهم معالم هذا الكتاب هذه المعلومات:

- عرَّف الكتاب بالكثير من المهتمات والمهتمين بالشأن العربي، وأسماهم «المستعربين الإسبان»، بدءا من «خوان غويتسولو» الذي هاجر من إسبانيا إلى المغرب احتجاجا على فرانكو وتوفي ودُفن هناك، وليس انتهاء بـ «بيدرو مارتينيث مونتابيث» عميد المستعربين الإسبان، وما دار بينه وبين المؤلف من حوار قد يتطلب عشرات الصفحات للخوض في تفاصيله ومدلولاته. ومما استوقفني في هذا الحوار:

"استدركت قائلا: بدايةً، لماذا اخترت اللغة العربية التي تتقنها أكثر من أبناء الجيل العربي الجديد الذين لا يتمسكون بها وتطغى عليهم اللغات الأجنبية؟

أبرقت عيناه فجأة وقال بنبرة عاطفية: لثرائها الحسي والمعنوي والبنيوي، من حيث احتوائها على عدد كبير من المفردات، ولطريقة الاشتقاقات المتبعة فيها، ولمتانة تراكيبها وقدرتها على الوصف والتخيل».

- عرّف الكتاب بالعديد من المفكرين والأدباء والمثقفين الفلسطينيين المقيمين في الأندلس وفي مدريد، موضحا أبعاد الدور الذي يقومون به في شأن التبادل الفكري والثقافي مع إسبانيا. ومنهم: عدنان الأيوبي، ومحمود صبح، وسلمى التاجي الفروقي مؤسسة متحف البيت الأندلسي في قرطبة وصاحبته.

- ذكر الكتاب الكثير من التفاصيل حول الرسامين والشعراء والأدباء الذين ينتمون إلى الأندلس انتماء يتخطى كونهم من مواليد الأندلس، بل كان ثمة روابط فكرية، وثقافية تربطهم بالحضارة التي كانت هناك.. بابلو بيكاسو، ولوركا الذي «كان شاعرا أندلسيا يعتز بتراث الأندلس العربي حتى إن صديقه الشاعر التشيلي بابلو نيرودا وصفه في مذكراته بأنه نتاج عربي أندلسي. وعرّف نفسه ذات يوم بأنه من مملكة غرناطة. أي من مملكة بني نصر، الذين كان أصلهم عربيا من اليمن»..

- من مجريط.. وهو الاسم القديم لمدريد التي قال إن اسمها القديم يجمع بين كلمة «مجرى» العربية و«إيتو» اللاتينية التي تعني الماء الوفير، وجارتها طليطلة وما كان للعرب فيهما من وجود في الدولة الأندلسية وما تركوه من آثار.. إلى مدن الأندلس التي زارها المؤلف، ضم الكتاب من المعالم والمعلومات ما يصلح أن يكون مرشدا يرافق الزائر، بل إنّ في مضمون الكتاب بمجمله ما يحفز على هذه الزيارة.

- لم يكن الحديث عن الحضارة العربية في الأندلس ليكتمل دون الحديث عن أعلام هذه الحضارة وعلمائها، مثل: ابن رشد، وابن البيطار، وعباس بن فرناس، وابن طفيل، وابن خلدون ذو النسب الأندلسي.. يقول المؤلف: «حتى جابر بن حيان، الكيميائي الذي عاش في الكوفة، كان له تمثال في قرطبة، لأن كتبه ودراساته اشتهرت في الأندلس، وتُرجمت إلى اللاتينية وبقيت تدرَّس في أوروبا لقرون عديدة».

كما تحدث الكتاب عن ابن حزم الأندلسي صاحب كتاب «طوق الحمامة»، والشاعر ابن زيدون، وولّادة بنت المستكفي، وغيرهم كثيرين، مشيرا لمكانتهم وأعمالهم وتأثيرهم، وتقدير المستعربين الإسبان لهم. ولم ينسَ المؤلف أن يستعين بأبيات من عذب الشعر، لا سيما شعر ابن زيدون وولّادة. يقول ابن زيدون مخاطبا ولّادة من مدينة الزهراء القريبة من قرطبة:

«إني ذكرتُك بالزهراء مُشتاقا

والأفق طَلقا ومرأى الأرض قد راقا

و للنسيم اعتلال في أصائله

كأنّه رقّ لي فاعتلَّ إشفاقا».

- وصف الكاتب العديد من الأماكن التي زارها وصفا يقرّب صورتها للقارئ، ويعطيها نوعا من الخصوصية في الوصف، حتى تشعر أن هذه العبارات إنما جاءت نتاجا لتفاعله مع ما وصف، تفاعلَ كل الحواس التي أنتجت هذه الصورة: كأن يقول: «جلتُ ببصري في أنحاء المدينة كلها، فوجدتها مستديرة، تقع على ضفتي نهر الوادي الكبير» (يقصد مدينة إشبيلية).

- كما ورد في الكتاب معلومات حول أنواع من الفنون اشتهرت بها تلك المدن، أبرزها «الفلامنكو»، إضافة إلى العديد من أصناف الطعام والحلويات.

- يفتح الكتاب آفاقا واسعة للتعرف على العديد من الكتب والفنون والأعمال الفنية التي تستثير رغبة المتابعة والاطلاع على بعض هذه الأعمال أو ربما كلها، ويخلق جوا محفزا على البحث والاستقصاء، للتزود ببعض مضامين هذه الأعمال.

وأنا أقرأ هذا الكتاب قفزت إلى مخيلتي كتب قرأت بعضها، وبدأت أعدّ قائمة بما لم أقرأ من الكتب ذات العلاقة بالموضوع، فعلى سبيل المثال لا يمكن أن تقرأ هذا الكتاب دون أن تقفز إلى مخيلتك أعمال مثل ثلاثية «غرناطة» للأديبة الراحلة د.رضوى عاشور، أو «المخطوط القرمزي» لأنطونيو غالا، أو «علي.. قصة رجل مستقيم » لحسين ياسين..

هو كتاب جدير بالقراءة، بل والاقتناء كمرشد في تلك الدروب أو كمدخل إلى حدائق الفكر والكلمات.