لَستُ في صدد الرد على الردّ، الذي تفضل مشكوراً الدكتور جواد العناني بمناقشته في مقالته التي نشرتها "الرأي" يوم أمس تحت عنوان "وهم الديمغرافيا.. ووهم الوهم". وأحسب العنوان مثابة استدعاء لرد ابن رشد على كتاب الغزالي "تهافت الفلاسفة", والذي حمل عنوان "تهافت التهافت"، وهي ميزة يتفوّق بها عليّ د. العناني, كونه مُثقف واسع الإطلاع وصاحب ذاكرة حادة محمولة على فكاهة لاذعة وعمق في تناول قضايا معرفية وأخرى خلافية, يبرع في القياس عليها كما في استنباطها، على نحو يَغبِطه المرء عليها، ما بالك أنه مُواظب بشغف على كل جديد.

ما علينا..

حفل ردّ د. العناني بكثير من الإشارات والوقفات, وأحسب أنه لم يكن دقيقاً في تناولها, وبخاصة في شأن دور الجمهور الحريدي اليهودي وخصوصاً مشاركة قادته في المشهد السياسي الصهيوني, والإئتلافات الحكومية المُتعاقِبة, حيث باتوا بالفعل "بيضة القبّان" في أي إئتلاف حكومي ينشأ، بعد أن لم يعد حزب الليكود قادراً على "تجميع" ائتلاف يميني بدونهم, وكانت هذه حال زعيمة حزب كاديما تسيبي ليفني (قبل أن تغادره وتُشكّل حزب "الحركة") عندما رفضت شروط حزبي شاس ويهدوت هاتوراة في شأن قانون التجنيد وميزانية المدارس الدينية, وفضّلت الاعتذار عن تشكيل الحكومة ,عندما تقدّم كاديما على الليكود واختارت اعتزال السياسة لاحقاً.

إضافة بالطبع إلى اشارة د. جواد إلى أنه يوجد في تعداد "اليهود" نسبة من "غير اليهود" الذين لا تعترف بهم الحاخامية اليهودية، وبالتالي لا جنسية إسرائيلية لهم, وهنا أُذكّرَه بأنني لم آت على هذه المسألة, وأجدها الان فرصة للتوضيح, بأن هؤلاء لا يندرجون في الاحصائية السنوية التي تصدرها دائرة الاحصاءات المركزية كل عام وبمناسبة قيام دولة العدو/التي يسميه يوم الاستقلال (نكبتنا), بل يشير إليهم بصيغة "آخرون أو أغيار"، بعد أن تُذكَر أعداد "عرب إسرائيل" وتُصنّفهم الاحصائية على النحو التالي: مسلمون، مسيحيون، دروز,شركس وبدو، ما يستدعي هنا "شطب" عددهم من أي احصائية لاحقة, وإن كانت إسرائيل حريصة على إبقائهم داخلها كقوة مُنتِجة, ومعظمهم جاء مع موجة الهجرة العاتية التي اعقبت تفكّك الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية.

أمّا في شأن تجنيد الحريديم,ليعلم الدكتور جواد ان هناك مشروع قانون اسمه "المساواة في العِبء"، ثم التصويت عليه في الكنيست بالقراءة الأولى أواخر عام 2018 وكاد يصل إلى القراءة الثالثة والأخيرة, لولا الخلاف الذي حصل بين نتنياهو وتلك الأحزاب وتمرُّد زعيم حزب إسرائيل بيتنا صاحب مشروع القانون هو ورئيس حزب يش عتيد يائير لابيد, حول نسبة "الشباب" المتدينين السنوية الذين سيُطلَبون للخدمة الإلزامية في الجيش, ما لبثت الامور أن تدحرجت بإتجاه تفكيك الإئتلاف والذهاب إلى انتخابات غير حاسمة, ما تزال آثارها ماثلة على الائتلاف الحالي المُتوقّع تفككه هو الآخر, وإن كان لأسباب مختلفة.

ولعلها مناسبةة لتذكير الدكتور جواد بأن نسبة الجنود من لابسي القُبّعة المَنسوجة (الكُوبّاه) آخذة في الارتفاع وعددهم يصل إلى 3 آلاف مُجنَّد، ما اثار ردود أفعال لدى جمهور العلمانيين حذروا فيه من خطر وجود هؤلاء في كتائب وفِرق يقودها جنرالات من لابسي القبعات المنسوجة, وما قد يَجرّونه من مخاطر على تركيبة (جيش الشعب) كما يصفون جيش الاحتلال.

تبقى – وخصوصاً أن المساحة لا تتسع – أن هناك في دولة العدو مصطلح يسمى "العائلة مُباركَة الأولاد"، وهي تلك العائلة كثيرة الأولاد التي تحصل على دعم نقدي شهري (مُعْتبَرومُرتبِط بجدول غلاء المعيشة) من مؤسسة التأمين الوطني, بدءاً من الولد الأول حتى ما بعد الولد السادس كتشجيع حكومي على زيادة النسل والتكاثر الديموغرافي, الذي يوليه المشروع الصهيوني العنصري الإحلالي أهمية خاصة بل قصوى.

وأخيراً أحيل الدكتور العناني إلى إحصائية جديدة مثيرة أصدرتها الوكالة اليهودية الخاصة بـ"المهاجرين" اليهود في العالم,جاء فيها ان ربع مليون (250 ألف) مهاجر يهودي وصلوا إلى إسرائيل خلال العقد الأخير (2010-2019), إذ وصل من فرنسا وحدها "38"ألف, وجاء العدد الأكبر من روسيا وأوكرانيا, ومن دول أوروبا (55) ألفاً و(36) ألفاً من الولايات المتحدة وكندا, كذلك (3) آلاف يهودي جاؤوا من دول الشرق الأوسط ودول "أُخرى" لا تُقيم إسرائيل معها علاقات دبلوماسية.

فهل ثمّة شكوك بأنّ سلاح الديموغرافيا والرهان على "الرحم" الفلسطيني, لا يعدو كونه وهماً ولا مُستقبل له في "دولة واحدة"، لافتا نظر الدكتور جواد الى ان فلسطينيّ المناطق التي سيتم ضمَّها, لن يحصلوا على جنسية دولة العدو؟.

kharroub@jpf.com.jo