أبواب - وليد سليمان

في هذه الأيام الصيفية ومع قُرب حلول عيد الأضحى المبارك .. نشاهد شوارع عمَّان وسط البلد كأنها في مهرجان من الأضواء والنجوم البراقة التي تعطي مسحات من متعة البصر والابتهاج النفسي.

الجهة التي قامت بتزيين شوارع وسط البلدة القديمة في عمان مشكورة لحسها الفني البديع.. لأن المشي في تلك الشوارع مساءً وليلاً عبارة عن نزهة مسلية ولطيفة للأهل والأصحاب وزوار عمان.

أما الشوارع التي عُلقت في فضائها حبال الزينة من النجوم والكرات المضيئة والأهلة والنجوم فقد كانت في: ساحة فيصل, وشارع الرضا, وشارع السعادة, وشارع الهاشمي, وشارع طلال, والساحة الخارجية للمسجد الحسيني الكبير.

وللتذكير بتاريخ وتراث هذه الشوارع وهي من أشهر شوارع عمان القديمة, هنا بعض المعلومات السريعة.

شارع طلال

لم يكن هذا الشارع قديماً معبداً تعبيداً جيداً, ولكنه كان أحسن حالاً من شارعي الأشرفية ورأس العين, وعلى جانب الشارع توزعت قديماً الدكاكين, وهي عبارة عن صناديق سيارات إسعاف الجيش البريطاني التي كانت تعطب أثناء الحرب العالمية الثانية, إذ أنها كانت تحمل شارة الصليب الأحمر.

وفي منتصف يمين شارع طلال تواجدت المدرسة الثانوية الأولى في عمان قديماً, وهي مدرسة حكومية وتنتهي بالصف الثاني الثانوي (التاسع حالياً).. وكان من أراد إكمال دراسته عليه أن يلتحق بمدرسة السلط الثانوية وهي المدرسة الثانوية الحكومية الكاملة والقريبة من عمان في ذلك الوقت.

وكانت المنطقة الممتدة من «مدرسة ثانوية عمان» - وكانت في نفس مكان السوق اليمانية الآن - وحتى شارع المهاجرين مخصصة لأصحاب الحرف والحدادين والنجارين والبياطرة (حذَّائي الخيول) والكندرجية والإسكافية والخضرجية, واللحامين, ومن أشهرهم وديع الأرمني, وبائعي الحطب والفحم وقد اختص أهل «برمة» بهذه الحرفة.

أما المنطقة الممتدة من المدرسة الثانوية وحتى المسجد الحسيني فكان يغلب عليها الطابع التجاري ففيها محلات الأقمشة والجملة والصاغة, وأهم معالمها كان سوق البخارية الذي كان أمام المسجد الحسيني مباشرة وقد احترق, وفيما بعد استقر في موقعه الحالي.

وكانت هناك شُهرة كبيرة للساحة الخارجية للمسجد الحسيني عندما كان يصطف فيها الجنود ورجال الشرطة يوم الجمعة لاستقبال الأمير–الملك المؤسس- عبد الله الأول, عندما كان يأتي لأداء صلاة الجمعة أسبوعياً.

شارع السعادة

وهذا الشارع كما هو حالياً يصل بين ساحة المسجد الحسيني وبداية شارع فيصل الحالي, وقد تواجدت في هذا الشارع عدة مطاعم من أشهرها مطعم الأوتوماتيك لصاحبه أبو هاشم, وفيما بعد انتقل إلى مكانه أمام مطعم جبري, ومحلات محمد حسن عزيزية التي انتقلت إلى مكانها الحالي تحت مقهى السنترال, ومحلات فريد خرفان, وأبو هاني الحاج حسن, ومثقال وشوكت عصفور,ومصباح الزميلي.

وكان فيه بعض الفنادق كفندق الملك غازي, والفندق العربي, وملحمة سكرية, وملحمة عودة الزعمط أبو عواد.

ومن أهم معالم هذا الشارع مبنى بلدية عمان الذي كان يقع على رأس الجزيرة المحصورة بين شارع السعادة وشارع الرضا.

شارع الرضا

كان في هذا الشارع فندق فلسطين وله شرفه واسعة–مازالت موجودة حتى الآن- تطل على شارع الرضا لصاحبه عودة الصوالحة فوق محل النادي للصرافة, وكان وزير الداخلية «فلاح المدادحة» في فترة الخمسينيات من القرن الماضي ينام فيه؛ لأنه كان من سكان الكرك, ثم استأجر بيتاً في عمان بعد ذلك.

وكان ينام فيه عادةً شيوخ الجنوب عند قدومهم الى عمان مثل الشيخ دليوان المجالي, وقد تحوَّل منذ سنوات قليلة ماضية الى مقهى تراثي جميل.

وبجانب هذا الفندق كان كذلك فندق يافا, والذي له ايضاً شرفة واسعة تطل على شارع الرضا.

وفوق مطحنة الحمصي كان هناك «مقهى الموعد» الذي يُشرف على الشارع والدخلة المحاذية دخلة مكتب تكسي النجاح.

وفي هذا الشارع المبنى القديم للبنك الأهلي الاردني بعمارته العالية, الذي تم افتتاحه تحت رعاية الملك الراحل الحسين بن طلال في العام 1960, بعد ان كان البنك الأهلي في شقة بشارع بسمان.

وقبل ان يتم بناء عمارة البنك الاهلي كان في مكانه محل تجاري لسلامة صويص لبيع الأدوات الصحية من مغاسل وحنفيات...الخ.

وبالقرب منه ما زالت ماثلة للعيان بناية لمبز, والتي لها شرفة واسعة تطل على شارع الرضا, وكانت هذه العمارة قديماً يشغلها أولاً: مقر الجمعية الخيرية الشركسية, ثم بعد ذلك من سنوات استأجرها المحامي الشهير عرار مصطفى وهبي التل شاعر الاردن الكبير, وكان يضع فوق مكتبه لوحة صغيرة وقد كتب عليها «الطايح رايح».. فيما كانت كروت الفيزت الخاصة به تتضمن الكلمات التالية: (مصطفى وهبي التل.. محامٍ في اربد والكرك والسلط وعمان أيضاً).

وقد حلَّت في نفس الشقة أو المكتب بعد ذلك من السنين عيادة الطبيب الشهير في عمان قاسم ملحس, ثم عيادة الطبيب جميل مرقة.

وكان في شارع الرضا قديماً بعض المحلات التجارية مثل:

محلات الشماع لبيع الخزائن والمكاتب الفخمة, ومكتبة اسماعيل الكردي لبيع القرطاسية والكتب وأدوات أخرى, ومحل ابراهيم البخاري لبيع أقمشة الجوخ, ومنير صويص لبيع الأجواخ, ومعرض الأهلي لبيع السجاد الفاخر، وفي العمارة التي كانت بها مقر بلدية عمان تواجدت شركة للبواخر لفريد خرينو, وشركة مسلماني ومديرها عماد النوري لتخليص البضائع والشحن.

وقديماً جداً في الثلاثينيات من القرن الماضي وعند تقاطع شارع الشابسوغ مع أول شارع الرضا, كان يوجد تياترو كمسرح ومشرب ومقهى, واكثر من كان يرتاده هم من الانجليز أيام الإنتداب البريطاني على الاردن لصاحبته امرأة من لبنان اسمها ماتيلدا.

وفي هذه الأيام اعتاد العديد من المتجولين مساءً التوقف عند رسام الوجوه أحمد عقل للفرجة وهو يقوم برسم وجوه البعض ممن يريدون ذلك وبشكلٍ حي ومباشر أمام جميع رواد هذا الشارع, يرافقه أحياناً بالموسيقى عازف الكمان حسين عبد المنعم.

شارع الهاشمي

هو من أقدم وأشهر الطرق والشوارع التراثية في عمان.. لأنه الطريق الذي يقود الذاهبين لزيارة المدرج الروماني الأثري التاريخي, وإلى متحفيه وقاعاته الجانبية من عروض فن الأدوات المعيشية والملابس من التراث الأردني والفسيفساء الجميل.. كذلك لمشاهدة المسرح الشتوي الصغير «الأوديوم», ثم إلى الساحة الشهيرة والواسعة الحديثة (الساحة الهاشمية).

و على أحد جانبي هذا الشارع الممتد ما بين الجامع الحسيني وحتى بوابة القصور الملكية ومنها قصر رغدان العريق.. هناك الكثير من الأدراج الحجرية الجميلة الصاعدة إلى حي الشابسوغ وإلى حي القلعة الأثرية القديمة «قلعة عمان» التي وُجدت في نفس مكانها منذ آلاف السنين كعاصمة لدولة العمونيين.

وقد اشتهر شارع الهاشمي في العقود الأخيرة بكثرة محلات عروض وبيع وتبادل التحف الشرقية والغربية «الأنتيكا» القديمة ومنها الحديثة كذلك.. لتلفت نظر عشاق وهواة جمع التحف والأنتيكات والهدايا كزجاجات الرمل الملونة والنقود القديمة لدى السواح والأجانب وحتى العرب, ومن أهل الأردن المهتمين بتلك المقتنيات التاريخية والشعبية اللطيفة.

وقد ارتبط اسم هذا الشارع بالأمير الهاشمي المغفور له «عبد الله الأول ابن الحسين » مؤسس الدولة الأردنية الحديثة منذ العام 1921.

فعند قدومه من بلاد الحجاز واستقراره في الأردن واتخاذه عمان عاصمة للإمارة الأردنية الجديدة, كان قد استقر ديوانه الأميري أي مكتب عمله وإدارة شؤون الدولة في مبنى يقع بجانب هذا الشارع شارع الهاشمي, والذي كان يقع قبالة ساحة المدرج الروماني بجانب فندق فيلادلفيا والمدرسة العسبلية الشهيرة لتعليم الطلاب.

ساحة المسجد الحسيني

المسجد الحسيني الكبير اشهر مسجد قديم في مدينة عمان وما زال.. وتم بناؤه حوالي عام 1925، وكان هذا البناء اول من تم استخدام مادة الاسمنت فيه في عمان العاصمة الصغيرة آنذاك لإمارة شرقي الاردن.

والساحة الخارجية للمسجد الحسيني واسعة؛ حيث هي أشهر ساحة في عمان للقاء الناس المغتربين وغيرهم, وتشرف الساحة على العديد من الأسواق والشوارع الشهيرة وسط عمان.

ساحة الملك فيصل الأول

وشارع الملك فيصل يتواجد فيه سوق الذهب القديم ومن فوقه مقهى كوكب الشرق.. وعند مدخله لا بد من للمتجولين مساءً من شراء الفستق الطازج من بسطة أحمد عمر النيجيري.

ثم هناك كشك الثقافة العربية لصاحبه «حسن ابو علي» حيث الصحف والكتب المميزة.. ثم أكل الكنافة من جاره «كنافة حبيبة»..وبالقرب منه محل البوظة الشهيرة «بكداش» الذي افتتح خلف البنك العربي في شارع سينما الحسين منذ أكثر من سنة.

وقامت أمانة عمان الكبرى قبل سنة بتحديث هذا الشارع الخلفي وأرصفته وأعمدة الكهرباء به بشكل هندسي بديع كشارع سياحي وتجاري مميز في وسط البلد بعمان.

وبجانب «كشك ابو علي» ما زالت مطحنة «قهوة الشربجي» والتي تُعد من أقدم مطاحن وبيع القهوة والبُن في عمان، ومن فوقها ديوان الدوق هذا المتحف الاردني التراثي بمعماره الخارجي والداخلي الجميل، حيث هو مفتوح لكل زائر يريد مشاهدة مقتنياته التراثية والاستراحة على مقاعده القديمة.. ويُعد هذا المبنى من أقدم المباني في شارع الملك فيصل لصاحبه الدوق ممدوح بشارات.

وهناك دخلة أخرى بجانب البنك العربي فيها الورود والمقاعد والطاولات والأضواء الملونة وأناس يجلسون مستمتعين مساءً مع تناولهم المشروبات والمرطبات الباردة في صيف عمان الجميل.

وعلى نفس الرصيف نلاحظ تواجد محلات جديدة للعطارة التي تقع تحت مقهى عفرا، مع اختفاء محل بيت المدخن القديم.. أما في دخلة وبجانب كشك الطليعة للكتب فقد استحدث مطعم تراثي جميل مع جلسة فضائية ممتعة.

وفي هذا المكان اعتاد مؤخراً ان يواظب الموسيقار بكر ابو بكر أكثر المساءات بالجلوس في أول الدخلة مع آلة عوده ليُمتع أسماع المارة بموسيقاه وأغانيه الأردنية والعربية الجميلة.