موسى إبراهيم أبو رياش

(كاتب أردني)

ذات مناسبة، كنت أتبادل الحديث مع بعض الحضور، عندما هبَّ أصحاب المناسبة لاستقبال أحد المدعوين، وعمَّ صمت، ودخل رجل مهندم يرتدي حلة أنيقة فاخرة، يتقدمه كرشه، وسط حفاوة المستقبلين وترحيبهم، وحرصهم على مصافحته بحرارة.

ألقى الرجل التحية على الحضور، ثم جلس في صدر المكان مبتسماً. لا أعرف الرجل الذي يبدو أنه من علية القوم، ولم أتشرف برؤيته من قبل، ولكني أشعر أنه ليس غريباً عني. سألت رجلاً بجانبي عنه فأستنكر سؤالي قائلاً: «هل يعقل أنك لا تعرف أبا لطفي؟»، فأكدت له بهزة رأسي أنني لا أعرفه. فأوضح: «أبو لطفي من كبار تجار البلد ومن أكثرهم ثراءً وعلاقات، رجل عصامي صنع نفسه بنفسه، وصعد من القاع إلى القمة، إنه....».

ثم توقف مشيراً لي أن أستمع، حيث وجه أحد الحضور سؤالاً إلى أبي لطفي، يسأله عن أخبار السوق هذه الأيام وأوضاع تجارته.

تنهد أبو لطفي بحرقة، وخلع نظارته المذهبة، ثم قال: «على الله، الأمور تعبانة يا جماعة، أحوالنا في تراجع، وتجارتنا مضروبة، والحمد لله على كل حال».

تأسف كثير من الحضور، ولما تأكد أن الجميع بانتظار توضيح وتفسير، أكمل: «كنت زمان وحدي في السوق، تأتي الحاويات بخيرها وبركتها لم يمسسها بشر، تفرغ حمولتها، ويهرع إليها صبياني ينبشوها بحرفية ومهارة، فيلتقطون ويجمعون كل ما له قيمة ولو كانت بفلس واحد، وفلس على فلس -كما تعلمون- تصبح ديناراً، ودينار على دينار ألفاً. وكنت أفرض الأسعار التي أريدها، ولا يعترض أحد، فأنا المصدر الوحيد، يعني كنت محتكر السوق، والمحتاج يضطر أن يشتري».

توقف أبو لطفي، وتناول كأساً من الماء ليبل ريقه، فاستغل الفرصة سائل: «وما الذي تغير يا كبير؟».

زفر أبو لطفي، وقال: «اليوم، الأوضاع تغيرت، وأصبحت الأسر تفلتر قبل أن تتخلص من أي شيء، ولا تضع شيئاً في الحاويات إلا بعد أن تعد للعشرة، ولو كان قشرة بصل».

ارتفع ضحك الحضور، فقال أحدهم: «حتى قشرة البصل لها فائدة، نضعها مع البيض عند سلقه، فتخفف زنخته، وتكسبه لوناً بصلياً».

ضحك بعض الحضور وابتسم أبو لطفي وقال: «يا سيدي، بعد ما يستعملها لا بد أن يتخلص منها، ولكن هذه نصف المشكلة».

همهم الحضور ترقباً لمعرفة نصف المشكلة الآخر، فلم يطل أبو لطفي واستأنف: «المشكلة الثانية، أنه أصبح لنا منافسون كثر في السوق، منافسون أكثر مما تتصورون، الحاويات تُنبش في أرضها قبل أن تفرغها سيارات وضاغطات البلدية، ولذا لا يجد صبياني إلا النزر اليسير الذي بالكاد يكفي لكلفة تشغيلهم وتسيير أمور العمل».

سأل أحدهم: «ألا تستطيع أن تستخدم صبيانك للعمل ميدانياً؟».

نظر إليه أبو لطفي ياستنكار قائلاً: «نعم؟ ماذا تقول؟ هذا يحتاج إلى جيش كبير، يتطلب أن أوظف صبياً لكل حاوية، وهذا ليس بمقدور دولة كاملة، فهل أستطيع أنا يا فالح؟!».

طأطأ السائل رأسه، وتراجع للخلف.

تنحنح رجل مسن، وقال: «ولكن لا خوف عليك يا أبا لطفي، مهما صار تظل واقفاً كسيف».

رد أبو لطفي بسرعة وهو يضحك: «بل كرمح، فالسيف أعوج وإن كان قاطعاً».

ضحك الحضور لطرافة أبي لطفي ونغاشته. رفع أبو لطفي يده طالباً الانتباه، ولما هدأت الأصوات قال: «لكل مشكلة حل عندي، فقد لجأت للشراء من صغار تجار السكراب، مما ألزمني –للأسف- رفع أسعاري لتعويض الفارق».

همهم البعض إعجاباً بأبي لطفي وعقليته التجارية، الذي أستأنف كلامه: «وبهذه المناسبة سأدعوكم قريباً لحضور افتتاح أغرب وأعجب مول في العالم!».

اشرأبت الأعناق تستطلع وتنتظر إضافة تشبع فضولها، فلم يبخل عليهم أبو لطفي فقال: «سكراب مول أو سكراب بلازا».

عقدت الدهشة ألسنة الجميع، ونطقت أعينهم ووجوههم بالاستغراب وعدم الفهم، قهقه أبو لطفي طويلاً ثم قال: «سكراب مول سيكون صرعة الموسم، حيث التفنن والإبداع في العرض والتسويق للسكراب، لقد استعنت بخبراء مشهورين في هذا المجال، وسترون بأم أعينكم ما يذهلكم يوم الافتتاح، وسيصبح سكراب مول محجاً لعلية القوم وأثرياء البلد، وبعضكم - وسامحوني - قد لا يستطيع دخوله لأنه أقل مستوى منه، وقد اضطر لفتح فروع في بعض المدن الأخرى».

صمت مطبق ساد المكان، بعض الحضور هز رأسه بعنف دلالة عدم التصديق، سأل أحد الحضور: «وأين مكان سكراب مول يا باشا؟».

ابتسم أبو لطفي، وقال: «كنت أحب أن تكون مفاجأة، ولكنكم أعزاء علي، ولذا سأخبركم بشرط أن لا يصل طرف خبر لأي وسيلة إعلامية، وخاصة الفيسبوك وعشيرته».

ضحك بعض الحضور، وأكمل أبو لطفي: «سيكون المول على دوار الربيع إن شاء الله».

همهم الحضور، فالمول سيكون في مكان راقٍ جداً، فسأل أحدهم: «هل تقصد المبنى الزجاجي الضخم الذي على شكل حاوية؟».

هز أبو لطفي رأسه وقال: «نعم، هو بذاته خص نص، وسيكون أكبر مول في المنطقة، وأنا أفكر حقيقة بتحويله إلى مول سياحي، ولكن بعد دراسة الجدوى الاقتصادية».

نظرات الاستغراب وعدم الفهم حاصرت أبا لطفي الذي أوضح: «يعني الدخول سيكون بفلوس، لأن المول سيكون عبارة عن معرض غير مسبوق، مول للفرجة بالدرجة الأولى».

اهتزت الرؤوس دلالة الفهم والتعجب، تجرأ أحد الحضور قائلاً: «قاصدك يا أبا لطفي بتوظيف ابني في المول، شاب فهيم ونشيط يعجبك».

لوى أبو لطفي شفتيه وقال: «ما ينعز يا صاحبي، ولكن بحسب توصية الخبراء، ستكون الوظائف حصراً على البنات، وليس أي بنات».

تعالى ضحك الحضور، عندما وقف أبو لطفي مستأذناً بالانصراف قائلاً: «سامحوني، فأنا مضطر للمغادرة، فعندي موعد مع وفد تجاري أجنبي، ولكن لا تنسوا حضور الافتتاح عندما أحدد الموعد، وسيكون لكل من يحضر هدية لا تعوض».

بعد انصراف أبو لطفي الصاخب، علت الأصوات المتداخلة: سكراب، مول، بلازا، معقول، عجيب، جنون، آخر زمن، عشنا وشفنا، بنات، مول سياحي، أبو لطفي،... بلازا، مول، سكراب، سكراب، سكرررررررررراب موووووووول.