حنان بيروتي

(كاتبة أردنية)

القصة القصيرة جدا فن السهل الممتنع؛ فهو يتطلب الاختزال والتكثيف وانتقاء المفردات التي تحمل دلالة تخدم البناء الفني للقصة، ويحتاج إلى قلم مدرّب وحنكة ومهارة للإمساك بخيوط عناصر القص في نص لا يصل طوله إلى سطرٍ واحد.

فنٌ أشبه بمغامرة إبداعية قصيرة وخطيرة تتطلبُ الحكم المنصف على مجموعة من المفردات بالغرق أو بالنجاة في بحر النص، ما يُمسك منها بخيط القص الرفيع يبقى في المركب لبلوغ ما يمكن أن يكوّن قصة مخبوءة بين الأسطر، ظلُّها على الورق لكنها قادرة أن تستثير عقل وخيال المتلقي لتكون ماثلة في ذهنه لنسج خيوطها عبر كلمات قليلة وهو ما يمكن أن نسميه «القصة القصيرة جدا».

هناك غزارة في النتاج في هذا الفن، لكن القليل منه ما يحقق النجاح في التقاط الفكرة والتعبير عنها بمفردات قليلة موظفة بمهارة. ثمة خلط بين القصة القصيرة جداً والخاطرة القصيرة والشذرة أو الومضة الأدبية. ثمة نصوص جميلة ومحكمة، لكن لا يمكن تصنيفها تحت مسمى هذا الفن الأدبي الصعب، وثمة ما لم تنجح مفرداتُها الطافية بلا مدلول مهم على سطح النص بتواطؤ من طرف الكاتب/ الكاتبة؛ فكانت فائضاً في سلة اللغة المثبتة على ميزان هذا الفن السردي الطريف والقريب إلى القلب، والذي يتوافق مع طبيعة عصر السرعة والشاشات، وسيل التكنولوجيا الملون الذي يحاصر الحواس.

يتجه الكثيرون إلى خوض تجربة كتابة القصة القصيرة جدا، وهي تجارب تشرع الباب لتثبيت ركائز هذا الفن وتطويره، على ألّا يتسرع الكاتب في نشر نتاجه تحت مسمى «القصة القصيرة جدا»، فالتجربة تتفاوت في هذا المجال من قصة لأخرى؛ تنجح هنا وتتعثر هناك، وكلّ قصة قصيرة جداً هي بمثابة حالة إبداعية خاصة ومختلفة.

تجربة القاص الأردني سمير البرقاوي غنية ومشرقة في القصة القصيرة عموماً وفي فن القصص القصيرة جدا بشكلٍ خاص، والبرقاوي أصدر مجموعته القصصية الأولى «ذاكرة الرماد» عام 1992، ثم «الدقائق الخمس الأخيرة من عمر الكون» عام 2008.

وبدأ بعد هاتين المجموعتين بنشر قصص قصيرة جدا تشرق في سماء الإبداع، وتتبوأ مكانة متميزة في هذا الفن الصعب. وتتفاوت القصص المصوغة بقلم خبير في قدرتها على الإدهاش، لكنها تُجمع على تميزه في هذا المجال.

يقول البرقاوي في قصة «النحات: «النَّحات في المدينة التي أرهقتها الانقلابات، قرر أن يُبقي تماثيل الجنرال كما هي، ويُبدل رؤوسها فقط».

في هذه الكلمات التي لم تكمل السطر، حدد لنا القاص الشخصية وهو النحات، والمكان وهو مدينة تعاني من الانقلابات؛ فالوضع قلق فيها وانتقلت حالة القلق الخارجية إلى النحات الذي توكَل إليه طَوعاً أو كَرها مهمة نحت تماثيل للجنرال الذي يريد تثبيت حكمه والتمتع بالسلطة وإرضاء غروره وممارسة دكتاتوريته؛ فينشأ صراع داخلي وقلق بسبب ما يبذله النحات من جهد ووقت وتركيز في نحت التمثال للجنرال، وبين سرعة تغير الجنزال وخلعه عن طريق انقلاب جديد؛ ويتسبب ذلك في حالة قلق تقلقل حياة النحات وتدعوه للعمل المجهد الذي يحس بعبثيته لكنه يتوصل إلى طريقةٍ ينهي فيها حالة الصراع التي يعيشها، وهي انعكاسٌ للصراع القائم على السلطة في المدينة، فيقرر أن يبقي تمثال الجنرال ويبدل كلّ انقلاب جديد الرأس فقط! فالجنرالات يتشابهون في الوِقفة، لكن الرؤوس تتبدل، بمعنى أنَّ الأسس المبنية عليها دكتاتورية السلطة ثابتة وما الانقلاب إلا انقلاب شكلي في االملامح الخارجية ولا يمثل تغيراً حقيقياً في الجوهر.

وثمة إشارة إلى وضع المثقف والفنان وسط ظروف القمع والتسلط، حين يجيّر إبداعه لخدمة السلطة مختاراً أو مجبراً، كما يفعل النحات في القصة ويختار السلبية واللامبالاة والاستسلام والسير مع التيار ويفقد دوره الحقيقي وتأثيره المأمول.

وفي قصة «حزن» يقول البرقاوي: «بعد موته ؛ تمنى أن يعود يواسي حزنها».

«بعد موته».. بدأ بحدث صادم هو الموت الذي يفترض أن يكون نهاية لكنه مفتتح للقصة؛ فالميت كما يذكر لنا الراوي ما يزال قادراً على التمني، فكأنَّ الأمنيات أو القدرة على التمني لا تنتهي بالموت. هل أمنيته تتعلق في أمر يخصه؟ ونحن لا نعلم شيئاً عن شخصية الميت غير الحدث الكبير في حياته وهو الموت، وأنّه بعد هذا الحدث ما يزال قادراً على التمني، يتمنى أن يعود يواسي حزنها، هو متألم لكونها حزينة بسبب موته؛ من هي؟

التأويل متروك للقارئ، فالفكرة ليست في العلاقة سواء علاقة حب بين رجل وامرأة أو رابط أمومة بين ابن ووالدته. الفكرة في كون الموتى يحملون أمنياتهم معهم، ويتشاركون مع الأحياء في التألم والتمني. وهو يتمنى لو يعود؛ ليس حباً في الحياة أو لأمرٍ معلق متروك، ولكن ليواسي حزنها، فهو حزين لحزنها.

الضمائر المتصلة في الأصل ترجع إلى اسم سابق لها، لكن الكاتب نجح في اقناع المتلقي بأنّ الضمير المتصل في (موته) يرجع للشخصية التي على المتلقي رسمها بريشة خياله واختيار ما يناسبها من صفات ومسميات.. وكذلك في (حزنها)، فهو عائد لامرأة حبيبة أو لأم. نلحظ الاقتصاد في الكلمات مع القدرة على منح المتلقي نسج قصة.

وفي قصة «صباح العيد» يقول: «صباح عيد شتائي، تتحسس الأم ثياب أطفالها على حبل الغسيل؛ قلقة من ألّا تجف قبل أن يستفيقوا».

صباح عيد شتائي؛ العيد يتطلب من الأهل تأمين الثياب الجديدة لأطفالهم ورؤية الفرح في عيونهم، لكن هذا العيد يجيء متزامناً مع الجفاف الاقتصادي الذي تعاني منه العائلة التي لم تتمكن من شراء ثياب جديدة لأطفالها، لكن الأمهات يحاولن قطف ثمار الفرح من أعلى غصن في شجرة الحياة، فالأم تغسل ثياباً شتوية مستعملة ربما من السنة الماضية أو ربما اشترتها من سوق «البالة»، وتتحسسها في الصباح وهي على حبل الغسيل؛ بعد أن استفاقت قبل أطفالها وأصابها القلق من ألا تجف قبل أن يستفيقوا، وتتمنى أن تجهزها لتبدو كأنّها جديدة وتكون ثمرة فرح ناضجة تقضمها أفواه الأطفال قبل أن يستفيقوا من نومهم وربما من براءة طفولتهم وثقتهم بأنَّ الفرح متاح، والعيد فرح وانفراج وثياب جديدة؛ فهي تخشى أن يستفيقوا من طفولة فرحهم ويصدمهم الواقع المتردي اقتصادياً والذي تحاول ترميمه بالحيلة وبالتحايل لزرع الفرح في قلوبهم.

وفي قصة «حزن» يقول البرقاوي: «كل ليلة قبل النوم في بيت زوج أمه، يمسك الطفل صورة، يمسح بمنديل دموع عيني أبيه فيها قائلاً: لا تبكِ يا أبي.. أنا بخير».

الطفل الذي وجد نفسه في بيت زوج أمه إما بسبب الطلاق أو بسبب موت الأب، يعيش حالة خاصة من اليتم رغم وجود أمه المستلبة والمسروقة بزواجها من رجل غير والده؛ فوجودُها لم يعد كافياً ليمنحه الدفء وغطاء الأمان؛ فزواج الأم مهما كانت مبرارته في نظر الطفل، خيانة وانتقاص فادح من حقه عليها وشكل آخر لموتها وفقدانها؛ فهو يلتجئ إلى صورة ربما تكون حقيقية يحتفظ بها بين أغراضه الخاصة، وقد تكون متخيلة يستحضرها ويلوذ بتعاطف صاحبها في محنة يتمه الجديدة وحالة اغترابه وألمه بوجوده في بيت زوج أمه، ويمسح بمنديلٍ دموع أبيه في الصورة ويتخيل أنّ الصورة تبكي. أنسنَة الجماد من قبل الطفل لإيجاد من يتفهم ويتعاطف ويعطف على ألمه: «لا تبك يا أبي... أنا بخير».. ينهاه عن البكاء، رمز الضعف، لأنه يحتاجه سندا وداعما وملاذا قويا، ولأنه يريد أن يُسمعه ويُسمع ذاته الخائفة أنّه بخير رغم تكرر حالة البحث عن ملاذ كلّ ليلة قبل النوم.

وفي قصة «الشهداء» يقول البرقاوي: «ليلاً، يتكسب حارس مقبرة الشهداء من تدبيج الخطابات لهم طالبين من الدولة صرف رواتب عائلاتهم».

يتكسب حارس المقبرة من تدبيج الخطابات للشهداء الذين يشعرون بالقلق على عائلاتهم من بعد استشهادهم وتضحيتهم، و«تدبيج» تعني الكتابة بأسلوب جميل مزين بهدف القدرة على التأثير، خطابات ربما لأكثر من شهيد وربما لأنَّ الدولة لم تستجب إلى خطابات سابقة بهدف صرف رواتب لعائلات الشهداء.

في كلمات قليلة استطاع الكاتب أن يرصد لنا قصة مكتملة فالشخصيات: حارس المقبرة والشهداء وعائلاتهم. المكان: مقبرة الشهداء. الزمان: ليلا بعد إحدى الحروب أو الانقلابات. والفكرة تتمثل في بذل الشهيد حياته دفاعا عن وطنه، لكن الدولة تتنكّر لمستحقات عائلات الشهداء وتأمينها اقتصاديا فيحاول الشهداء التدخل متألمين عاتبين.

وفي قصة «انتظار» يقول: «غالبت الصغيرةُ نُعاسها، ركضت للباب حينما عاد والدها، لا ترى شيئا لها في يده، تسند ظهرها للحائط خائبة، تنام حالمة، وينام باكياً».

على عادة الأطفال الذين يحظون بدلال الآباء بعد عودتهم متأخرين للبيت، تنتظر الصغيرة عودة أبيها ربما يجلب لها الحلوى أو دمية وعدها بها منذ زمن، لكنه تأخر في الرجوع إلى البيت.. ربما لانشغاله أو لأنه يتقصد ذلك كي يجدها نائمة، لأنه لا يملك المال الكافي لإيفاء وعد قدمه لها بعد إلحاح طفولي عنيد، لكنها غالبت نعاسها فوجدها تركض للباب دلالةَ اللهفة وهي ترقب ما يحمله في يديه فتجدهما فارغتين، تسند ظهرها للحائط مثقلة بخيبة الأمل ويغلبها النعاس الذي غالبته منتظرة، فينام والدها باكياً ومتألماً كونه أخفق في أن يحضر لها ما يفرحها ويعوضها عن طول الانتظار أو لأنه خيَّب نفسه في أن يكون أباً قادراً على تأمين متطلبات أسرته.

لا شك أنَّ الكتابة المكثفة المحكمة تحتاج إلى موهبة ودربة وخبرة، وتلك القدرة على البوح الشاسع في مساحة ضيقة ومحدودة وبمفردات معدودة بأقل من سطر تدلّ على أنّا أمام قاص يقدم إبداعا مختلفا.