فراس حج محمد

(كاتب فلسطيني)

يعدّ غسان كنفاني من المثقفين الذين تنبهوا، منذ وقت مبكر، إلى الدعاية الصهيونية وخطرها، فوقف في وجهها، وعمل على دحض أطروحاتها العنصرية التي أسست للمشروع الصهيوني، فشكلت كتاباتُه الإبداعية والبحثية عاملا قويا في تفنيد مقولات الصهيونية وخطاباتها الاستعمارية.

أصدر كنفاني كتابين درس فيهما الأدب العربي في فلسطين، وهما «الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968»، و«أدب المقاومة في فلسطين المحتلة». وبيّن أن للأدب دورا مهما في المعركة مع الاحتلال، فقال: «إن أدب المقاومة العربي في الأرض المحتلة يقدم لتواريخ الأدب المقاوم في العالم نموذجا في الحقيقة، وعلاقة جديدة نادرا ما استطاعت آداب المقاومة المعروفة في العصور الحديثة أن تحقق ما يوازيها في المستوى، مقارنة بمهاتها الصعبة وشديدة التعقيد».

من ذلك، ربما يجد المرء في ما سبق من إشارة، هدفَ كنفاني من الكتابة الإبداعية والبحثية على السواء، فهي كتابة داحضة لفكر الآخر/ النقيض. آمن كنفاني بهذا الدور للأدب المقاوم، وربما لأجل ذلك اتسمت أعماله بكل سمات أدب المقاومة من مباشرة، وسيطرة الأيديولوجي على الفني، والفكرة الكلية دون الاعتناء بالتفاصيل الصغيرة التي تمنح العمل الفني حيوية ما. وعليه، فإن أدبه هو أدب دعائيّ في الدرجة الأولى، تعلو فيه النبرة الخطابية، وتسود فيه المناقشة الفكرية، وهذا أيضا ما يفسر انحيازه إلى الرواية القصيرة المكثفة، والقصص القصيرة، والمسرحيات القصيرة.

هذه النظرة التي تجلت في ما كتب كنفاني من سرد، عززها أيضا ببحثه الموسوم «في الأدب الصهيوني». فكشف عن وعي متقدم على ضرورة الانتباه لأدب الآخر، فالتقت عنده الأفكار وتعاضدت في كتابيه عن أدب المقاومة وفي سردياته المتنوعة، وهذا الكتاب.

ذهب كنفاني إلى أن الصهيونية قاتلت بسلاح الأدب قتالا لا يوازيه إلا قتالها بالسلاح السياسي العسكري، لأن هذا الأدب لا يمكن فصله عن الأيديولوجية الصهيونية السياسية، مع أن الصهيونية الأدبية كانت سابقة للمشروع الصهيوني السياسي على الأرض، فتم تجنيد الأدب لخدمة السياسة. يعرّف كنفاني الأدب الصهيوني بأنه «الملتزم سياسيا بمجيء اليهود إلى فلسطين على حساب أهلها الفلسطينيين، وهو على المستوى الأيديولوجي ذلك الذي يطابق بين الدين والقومية».

من هذا الوعي على الهدف من الكتابة لدى أدباء الحركة الصهيونية، بنى غسان أدبه هو، بل إنه بنى نظريته في رسم حدود الأدب المقاوم ضمن هذا الفهم لأدب الحركة الصهيونية وأهدافه المكرسة لخدمة المشروع السياسي.

وجاءت رواية «رجال في الشمس» ضمن هذه الفلسفة في الكتابة، وكذلك روايات «ما تبقى لكم» و«أم سعد» و«عائد إلى حيفا»، بل إن كل ما كتب كنفاني كان يدور في خدمة ما آمن به من أفكار أدبية أو سياسية.

لم يكن كنفاني باحثا في الدرجة الأولى عن الصنعة الروائية، وإنما كان في صراع مع الأفكار والأيديولوجيا المضادة، وكان يبني صراعه ويؤسس له، منطلقا من الطبقة المتوسطة في المجتمع، وهي الطبقة التي حملت أفكاره ووعت على الثورة وقادتها، وهي التي قدمت أبناءها الشهداء والأسرى والمبعدين والمنفيين والمطاردين. وهذه الطبقة الممثلة في رواياته كانت تنويرية تخوض معركتها على جبهة الداخل الذي يعيش بأفكاره القديمة وعلى وعي جديد بحكم الصيرورة التاريخية التي تدعو دائما إلى التغير والتبدل. من ذلك مثلا هذا الحوار الوارد في رواية «رجال في الشمس» بين الأستاذ سليم وبين أحد الحاضرين في ديوانية المختار:

-وسوف تؤم الناس يوم الجمعة.. أليس كذلك؟

وأجاب الأستاذ سليم ببساطة:

- كلا، إنني أستاذ ولست إماما..

قال له المختار:

- وما الفرق؟ لقد كان أستاذنا إماما.

- كان أستاذ كُتّاب، أنا أستاذ مدرسة».

على الرغم مما يشير إليه المقتبس السابق من تطور المجتمع الفلسطيني بين حقبتين، حقبة التعليم في الكُتّاب وبين التعليم في المدرسة، والفرق بين الأستاذين وطبيعة الدور التعليمي لكل منهما، فقد كان أستاذ الكُتاب معلما، وإماما، وواعظا، ومأذونا شرعيا، ورئيسا لجاهات الصلح، ومغنيا في الأعراس، على الرغم من أنه قد يكون محدود المعارف متواضع التحصيل.

لقد تغير الوضع، وذهب ذلك التاريخ، وجاءت حقبة جديدة، حل فيها معلم المدرسة محل معلم الكُتاب، لذلك حتما سيتغير الدور. إن هذه الحركة التاريخية في التغيير الحتمي يجب أن يصاحبها تغيير في العقليات القديمة، فلن تستطيع هذه العقلية هزيمة الحركة الصهيونية. يجب أن نفهم الصيرورة التاريخية لنفهم الواقع ونحسن التعامل معه.

كما حارب كنفاني الأفكار المتغلغلة في الوعي الجمعي، وخاصة تلك التي تجعل كل شيء قدرا مقدورا لا فكاك منه. إن هذا المنطق استسلامي انهزامي يجب أن يزول إن أراد الفلسطينيون أن يحرروا أرضهم.

تمنح الرواية إضاءات مركزة ومكثفة حول طبيعة حياة الفلسطينيين بعد النكبة في الشتات، حيث المخيمات حياة مقهورة بالفقر المدقع، ويصورها كنفاني بقوله متحدثا عن مروان: «إنه رجل معدم، أنت تعرفين ذلك، لقد كان طموحه كله، كل طموحه، هو أن يتحرك من بيت الطين الذي يشغله في المخيم منذ عشر سنوات، ويسكن تحت سقف من إسمنت».

يعرّي الروائي هذا المنطق للفلسطيني الشريد التائه، إذ تبدو هشاشة الحلم وتفاهته، وما يعني هذا الحلم في نهاية المطاف من تفكيك المخيم، إنْ فعلَ كلُّ مَن في المخيم مثلما يريد أن يفعل، ما يعني أيضا أن قضية اللاجئين في تآكل، وهي متروكة للزمن، فالزمن كفيل بحلها بهذه الطريقة الناعمة، وهي البحث عن الحلم الشخصي. وبالتالي، فإن غسان يحذر من هذا المنطق المتسق مع أفكار الحركة الصهيونية السياسية التي تراهن على عنصر الوقت لتتغير الأشياء من تلقاء نفسها وتصبح الأمور في صالحها. إذاً، لا بد من تغيير الوعي عند الناس، وهذه مهمة ليست سهلة.

لعلّ مَن ينظر إلى شخصيات مجتمع الرواية جميعا، الرئيسية والثانوية، يدرك مدى ما تعانيه من أوجاع نتيجة الحرب، فالحرب لا ترحم، فقد كانت شفيقة وأبو الخيزران والمشردون جميعا من ضحايا الحرب، بل إنّ للحرب ضحايا كثرا ومتعددي الأصناف والأشكال والمآسي، كما كان أيضا من نتائج تلك الحرب الفقر والوجع والقلق النفسي والتفسخ الاجتماعي وتدهور القيم. لكن يجب ألّا يستسلم الفلسطينيون إلى تلك النتائج الكارثية للحرب، وألّا يروا في تلك النتائج عامل انهزام واستسلام وخنوع ونكوص وطغيان الذاتي على الهم الوطني العام. ربما كانت هذه النظرة الاستشرافية لكنفاني غاية في الدقة، فما أكثر مَن استغل الحرب لإشاعة روح الانهزام والاستسلام! لقد غلب اليوم على كثير من الفلسطينيين هذا المنطق غير المبالي بالوطن وقضاياه، منطق أبي الخيزران: «ماذا تنفعك الوطنية؟ لقد صرفت حياتك مغامرا، وها أنت أعجز من أن تنام إلى جانب امرأة، وما الذي أفدته؟ ليكسّر الفخار بعضه بعضا، أنا لست أريد الآن إلا مزيدا من النقود مزيدا من المال».

إنّ أصحاب هذا الموقف من «الخيزرانيين» الجدد، لا يحيون إلا في العتمة، ولا تترعرع تجارتهم إلا عندما يكون «الظلام كثيفا مطبقا» كما جاء في الرواية، فهذا هو الجو المناسب لمثل هؤلاء المستغلّين، ولذلك يهمّهم عدم انكشاف الحقائق وإزالة الغشاوة عن أعين الضحايا وقلوبهم. وعليه، فإن هذا الاتجاه يحارب وبشدة كل المظاهر التي تتجه بالناس نحو الوعي السياسي الحقيقي، ليظلوا ضحايا ومغلوبين على أمرهم، لأن في استمرار وضعهم حياة لمنطقهم وتجارتهم، وفي كل ذلك حياة للمشروع الصهيوني. فالوعي السياسي الحقيقي هو أول خطوة نحو الخلاص من هذا المشروع.

لقد اتفقت مصالح هؤلاء «الخيزرانيين» مع مصالح الاحتلال، فكانوا خطرا على فلسطين، وساروا بها نحو الهاوية، ليتقزم الحلم الفلسطيني من تحرير كامل التراب الوطني إلى مجموعة أرخبيلات سكانية يحكمها وكلاء تابعون للاحتلال ويقدمون له الخدمات كل يوم، وهم يمارسون عمليات التغريب والتضليل الوطني وحرف بوصلة الوعي إلى لا شيء.

لقد تجاوزت رواية غسان كنفاني الواقع التي كانت تعيش فيه وكُتبت من أجله، إلى أن تحذر من مآلات سياسية خطيرة كانت تتوقعها، فلم تقدم فقط نسيجا يخص أمة في فترة تاريخية بعينها كما قالت د.رضوى عاشور، بل إنها تجاوزت لحظتها التاريخية من خلال بنائها اللغوي الحامل للرمز والقادر على أن يستوعب الواقع، ولو بعد أكثر من سبع وخمسين سنة على كتابتها واستشهاد كاتبها الذي مضى عليه ثمان وأربعون عاما. وهي بذلك صالحة لتظل مثالا على مناهضتها المستمرة للمشروع الصهيوني بكل مرتكزاته الفكرية والأدبية والسياسية. ولن تموت الرواية وخطابها الثوري ما دامت فلسطين تحت الاحتلال.