ترى هل من المجدي مناقشة قضايا دينية مع رجل دين؟ لِم لا وسعة صدره عند الاستماع للرأي الآخر تعتمد على درجة إلمامه بعلوم الدين ومدى إعمال ‏العقل فيها دون ما تعصب، فذات مرة طرحتُ بحذر على عالِم شريعة أُجلُّه موضوعً المطالبة العالمية بإلغاء عقوبة الإعدام ‏التي تحقق نجاحاً متواصلاً في بعض الدول وتجرأتُ بالسؤال عن تفسير الآية الكريمة «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب‏» وجازفتُ اكثر حين جاهرتُ بفهمي اللغوي المباشر لها وبأنها تخلو من أي كلمة تشير إلى معناها السائد والمسلَّم به من دون تمحيص (القاتل يقتل) والمستخدَم كبرهان قاطع ‏على ان الإعدام حكمٌ عادل لا يقبل الجدل وليس قتلاً عمدا آخر!

ولقد فوجئتُ وسعدت في نفس الوقت حين ‏طفق الرجل يشرح واثقاً موقفه المستنير الداعي إلى إلغاء هذه العقوبة غير الإنسانية في رأيه والتي لا تستند إلى صحيح الشريعة ولا الى العلوم والدراسات ‏الاجتماعية الحديثة التي أثبتت أن الإعدام لا يخفّض نسبة جرائم القتل في المجتمعات ولا يشكّل درساً راسخاً مستقراً في نفوس الناس فهو مجرد ازهاق روح إنسان ماذا لو ظهر فيما بعد أنه ‏كان بريئًا!؟

وفي مناسبة أخرى طرحتُ أمام قاضٍ شرعي كبير قضية تزويج القاصر بذرائع متعددة غير مقنِعةٍ للكثيرين فكان رده هادئاً ولم يتعصب لما يُمارَس حسب قوانيننا الحالية بل بيّن وجهة نظره الاجتماعية إضافة للشرعية حتى بعد أن عرف أنني مع المبدأ الُمقرّ في حقوق الإنسان والذي يقضي بأن العمر الصحيح المتفق عليه الآن دوليا لمرحلة ‏ الطفولة هو 18 عاما أي ان القاصر طفلة، ولقد اغتنمتُ الفرصة وخرجتُ عن الموضوع قليلاً كي أسخر من الهيئة المستقلة للانتخابات التي قررت قبل بضع سنوات وبفذلكة لغوية مسطًّحة أن بلوغ هذه السن وليس تمامها هو المقصود ليصبح عمر الناخب المؤهل17 عاماً فقط وهو اجتهاد ‏انتهازي لا بل تزوير سياسي لم يعترف العالم بصحته.

ولقد شجعتني سماحة القاضي الفاضل أيضاً على طرح القانون الذي يثير جدلا واسعا في مجتمعنا والذي «يعاقب» المغتصب «بتزويجه» من الضحية فوجدته يتفهم وجهات النظر الأخرى ثم يبذل جهداً كبيرا في استنباط المبررات التي جعلت المشرِّع يلجأ لهذه العقوبة التي تهين المرأة وتكافئ المعتدي عليها ضمن مسوغات هشة قابلة للتأويل حسب الهوى، وفي نفس الوقت لم يتعصب لرأيه ويتعالى على آراء الآخرين بالقول إن هذه امور ينبغي ألا يناقشها الا علماء الشريعة! كما أنه لم يغضب حين قلتُ إن هذه العقوبة لم تعدْ مقبولة في ‏المجتمعات البشرية المتقدمة ولا يشفع لها أنها ُ بقت قبل ألفي عام في شريعة حمورابي مع تغريم المغتصب مبلغ 60 شيكل!

وبعد.. هل لاحظتم أن النقاش لم يدرْ مع أصحاب عقائد دينية حزبية يستخدمونها لأهدافهم السياسية ‏المختلف عليها؟!!