بينما يواصل وباء كورونا المستجد (كوفيد-19) حصد المزيد من الأرواح عبر العالم، بدأت تظهر في بعض المقالات والتحليلات بشأن الأثار المترتبة على هذا الوباء مقولات من قبيل (موت الليبرالية) و(ولادة عالم جديد) و(عالم الاغلاق العظيم) على نسق (الكساد العظيم) الذي حدث عام 1929، وغير ذلك من المبالغات التي تنبئ بأن العالم بعد أزمة كورونا ليس هو نفسه العالم الذي عهدنا. بل هناك من ابتكر تسميات ومصطلحات مثل مصطلح (ما بعد الكورنيالية) Post- Coronalism داعياً من خلاله إلى دراسة ما سيصبح عليه حال البشرية نتيجة جائحة كورونا.

وعلى الرغم من وجاهة بعض هذه التوقعات المستقبلية، والتي من ضمنها توقع وزير الخارجية الاميركي الأسبق هنري كيسنجر، بأن وباء فيروس كوفيد-19 سيغير النظام العالمي إلى الأبد، الا أنني ادعو الى ضرورة إعادة التفكير فيها، وبالأخص ما يتعلق منها ببنية النظام الدولي، ومستقبل العلاقات الدولية. وإعادة التفكير هذه تنبع من الملاحظات الآتية:

1- على الرغم مما يمثله وباء كورونا من تهديد جدي وكبير للأمن العالمي، إلا أنه لا يرتقي إلى مرتبة التهديدات التي تودي إلى تغيرات جذرية في السياسة الدولية. فتاريخياً، تزامن انتشار الأوبئة مع تغيرات جيوسياسية كبرى، كانت هي التي تعمل على أحداث التغيير الجذري في النظام الدولي، وعندها تكون الأوبئة هي الوجه الظاهر لما يحدث من تغييرات جيوسياسية عميقة. أي أن الأوبئة لم تغير اتجاه تاريخ العالم بقدر ما سرعت من وتيرة هذا التاريخ، واعتقد أن (روح التاريخ) -على حد وصف الفيلسوف الألماني هيجل- هذه تمتد أيضاً إلى وباء كورونا باعتباره جائحة تتفق في كثير من معطياتها مع ما سبقها من أوبئة عبر التاريخ.

2- سيكون من السابق لأوانه التنبؤ بتغير نمط التفاعلات والقيم في النظام الدولي الراهن، فالتفاعلات الدولية القائمة حالياً لا تعني أن النظام الدولي على شفا تحول كبير نتيجة للوباء. فعلى الرغم من أن الخلافات الأمريكية- الأوروبية في تصاعد، وأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد هي القوة الاقتصادية الأعظم التي تساهم بنحو (50%) من الناتج العالمي الإجمالي، بحيث تراجعت مساهمتها إلى أقل من (20%)، ناهيك عن ما تسعى إليه بكين وموسكو من محاولات للقيام بادوار بديلة عن السياسة الأميركية في العالم، الا أن التنبؤ بالتغير في منظومة العلاقات الدولية، ليس بالأمر اليسير، فهذا التغير غالباً ما يكون في أعقاب حروب أو أزمات كبرى تسفر عن منتصرين وخاسرين، وأزمة كورونا هي أزمة ذات خصوصية، سواء من حيث طبيعتها، أو أثارها، مما يجعل من رسم أي سيناريو لبنية النظام الدولي أمر يشوبه القصور.

3- أن النظام الدولي الراهن يمر بما يمكن تسميته ب(لحظة اللأيقين الدولي) حسب وصف الباحثين روبرت بلاكويل و توماس رايت في دراستهما الصادرة مؤخراً عن مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة بعنوان (نهاية النظام العالمي والسياسة الخارجية الأميركية)، فحالة اللأيقين الدولية هذه تجعل من المُتعذر النظر إلى تداعيات وباء كورونا وعواقبه على النظام الدولي، أي أنه من الصعب توقع النتائج بعيدة الأمد لهذا الوباء في عالم متشابك بشكل لم يشهده التاريخ من قبل. فالتحولات المذهلة على مستوى العالم بالقدرات العلمية التكنولوجية، والقدرات الإقتصادية، وتوجهات التيارات السياسية داخل الدول الغربية، ناهيك عن التحديات البيئية التي يواجهها العالم، جمعيها معطيات، تجعل من الصعوبة بمكان التنبؤ بطبيعة التغير في منظومة العلاقات الدولية، ومرتكزات هذا التغير.

aref_murshed@yahoo.com