كتب: حسين دعسة



.. حك العطار جلدة رأسه، نظر في هيئتنا، لا نبيع ولا نشتري، يسترق بصيص أمل أن أغادر، قلت بجدية:

-لا يمكن!

انبهر من كلامي، هي تحاول التماساً، لا تريد الضحك، مدت يدها، بأن بياض الثلج المسفوع بزخارف حنطية من حناء وصمغ عربي، ركزت الزخرف على المجلد الأول، غلاف من رق غزال محفوف، مصقول بالغبار وطين النيل وقار البترا، فى ذات الوقت تلاقت يد شيخ العطارين مع يد حرير الروح..

شعر بزلزلة غريبة، سال عرقه من كل مكان، بهت واحتار ماذا يقول.

.. لم تكن ساعات الحظر بعيدة، ووفود الناس تعيد بهجة الأسواق القديمة، تباعد مع تقارب، لهو مع جد، والجميع يتحرك في حركة واحدة، بهلوانية تسابق ما تبقى من مهمات، تذكرت قائمة تقبع في جيبي من ايام. تململت حرير الروح من تلعثم العطار واصدرت همسها الموارب:

-لنسمع منك قصة الحجاب الأول، الذي فككت سره.

هامت عيونه داخل المجلد وقرأ: بكت السيدة فدوى لما فككت طلاسم الحجاب، غنت ورقصت، وما لان له قلبي ان الحجاب وضع لمنعها من الزواج، ترى اي انسان ذكر، على هيئة غول افطس، احمق، شنيع الشعر، رث الثياب.

.. صمت الشيخ العطار برغم صباه واناقته، بكى وأطال النشيج، عدل من وضع المجلد بين يديه، التمعت عيناه وتابع يقرأ بخوف واضح جلي:

- جاءتني هذه المرأة صباح يوم سبت، قالت اريد شيخنا العطار، قلت لها ها أنت أمامه، قالت انا ممسوسة محجوب لي، تشردت في المقابر ابحث عن الحقيقة،.. هونت أمرها مددت يدي وضعتها على قمة غطاء رأسها الأسود، قرأت عليها علمْتُ أن عندها سحرًا قويًّا؛ ذلك انها ترتجف وتتقرفص كأنها في عالم سفلي.

..تخاف، تترك كل اشجانها واعمالها، تنظر الى سقف غرفتها وترى أشباحًا في المنام واليقظة، أضغاث احلام مجنحة، خففت من محنتها، سألتها:

- هل من شواهد؟

نفرت ومدت يدها بخبيئة من ثنايا قافية ثوبها، ما لمسته نقلته له عبر وسيط من يد واصابع ترتجف:

- ما هذا؟

تمتمت وتركته من يدها في وسط الطاولة، ضغطت يدي على راسها وبشرتها بالخير والنجاة.

تهللت أساريرها وحاولت تقبيل يدي، شفتاها يابسة تميل الى اللون الكستنائي مشققة من جفاف ما!

سوف يبطل هذا الحجاب وما تم في بؤس وليل لا تخافي، سنرسل السحر الى مكانه إن شاء الله الخالق البارئ، لكنني استدركت ونالني منها دلالة على ما كانت عليه من الجمال والعز، وهي بمحبة الضال قالت لي:

- هل تعرفني بغريمي ومن القى هذا الطلسم في بيتي؟.. وهل انتهى الفأل النحس ومتى تخبرني بمكان من خاط حجاب السحر؟

.. كنا انا وحرير الروح وصبي العطار نرتشف شراب الكركدية البارد المعتق بنقوع وتحويجات اشتهر بها مقهى بلاط الرشيد، بدأت انعس من قصة الحجاب، بينما حرير الروح تتحفز وتعيد وضع جلستها وتنفر عيونها مبحلقة الى اسرار مجلدات وكراسات العطار الذي طلب من صبية فنجانا من القهوة المحوج بالحبهان، على شرط ان تغليه السيدة مريم من البن المخصوص بالشيخ، واقترب العطار من الصبي وهمس تمتمات في اذنه وشد على كتفه.

تسمرت نظراتنا، عيوني تسابقت ظلال المغرب وهي تتراقص على زخارف ورسوم سقف المحلات الرئيسة نواصب حرير الروح تجلي طيفها فقامت وشاهدتها تتبرج متخذة مسارها بين غيمات مساء قلعة عمان.

سيدة الحجاب، قرفصت الى منتصف كرسي القش وساعدها نحولها وخفتها، تريد ان تهرب من حرج المكان وفك العطار لما أصابها من خزي الدجل وعدم مخافة الخالق في حق العباد.

..وبرم العطار شاربية، ونظر في مجلده ونطق:

قلت: نعم، يا كريمة الاصل الصابرة المحتسبة، فالدعاء والتضرع إلى الله، في خوص سري مع دخول ثلث الليل الآخر، ففيه وقت استجابة الدعاء، ونزول الروح الحق البارئ المصور الى مشارف الأرض والسماء،.. ووقتها شاورت اسيادي واشاروني بحرق ورق الكافور وزعتر الكروم وأبصال الصبير ونقيع الكركم والبلسم ونجارة باب مما مر عليه الغريم المارق، محدث الحجاب الطلسم، وكلها تجمع في قدر من النحاس وتحرق بعد فجر يوم ثلاثاء، وبعد ان يهمد نارها يجمع رمادها وسكنها في ثوب السيدة الذي هي عليه وتبات ليلتها تدهن رقبتها سبع مرات بزيت السيرج وتدهن اقدامها بزيت الكافور سبع مرات الى ان تطلع الشمس وتلم الرماد ببكجة تضع وسطها الحجاب المنثور المفكوك فيسقط السحر وكاتبه وحامله.

..على ما علمت، يقرأ العطار وهو يشرب رشفات من قهوته: قامت سيدة الحجاب بالصلاة والدعاء والتضرع ونامت بعد العشاء، فرأت فيما يرى النائم المتعب القلق، من أخذ بيدها، وذهب بها إلى مكان مهجور منبوذ في مهاجع الخدم بالبيت، ودلها على ما بان على الجدران من طلاسم الحجاب المفقود، واثر ذلك على تربة السحر المدفون فيه، وفي ريق يومها- بحسب الحلم- أخبرت أهلها، وذهبوا إلى نفس المكان، فوجدوا معالم من حفر ونقر ومهد تربة المهاجع لتكون مشربية السحر فأخرجوه وأبطلوه.. وما ان جمعت الرماد في فجرها الجديد شُفِيت، والحمد لله رب العالمين، حمد الشاكرين.

huss2d@yahoo.com