د. محمّد الوهيب

رئيس قسم الفلسفة - جامعة الكويت


يبدو للوهلة الأولى أنّه يصعب التفلسُف أمام الوباء، هذا بالطبع إنْ نظرْنا إلى التفلسُف على أنّه تَرَفٌ فكريّ، وهذا لعمري إنّه لأمرٌ مُنافٍ للواقع والحقيقة، فالتفلسُف في أحد معانيه، والذي قد يتّفق عليه كُثُرٌ، هو محاولةٌ منهجيّة لفهْم تلك الأمور الدّاخِلة في حياة البشر، والتي يولونها بعض الاهتمام. عمليّة التفلسُف وفقاً لهذا الفهْم هي عمليّة إعطاء معنى لهذه الموضوعات التي نُفكِّر بها، والتي تَضع نفسَها إزاء العقل الإنسانيّ. تنتج الصعوبة لدى البعض في فهْم إمكانيّة مُقارَبة التفلسُف لحالةِ الوباء، في اعتقادي، لكون التفلسُف عمليّةً تدعو إلى التفكير والتأمُّل بينما الوباء بالتعريف هو أمر يتوقّف معه كلّ تفكير، وذلك بسبب الخوف منه، ومع الخوف لا يبدو التفكير أمراً هيّناً.

قدَّم الفيلسوفُ الألمانيّ الشهير إيمانويل كانط توصيفاً لتلك الحالة التي نُصاب فيها عادةً بارتعادٍ شديد إلى الحدّ الذي تُشَلّ فيه قدرتُنا على التفكير–على الرّغم من اختلاف السياق بالطبع–وكان ذلك في ثنايا تمييزه بين الجميل Beautiful والجليل Sublime. ففي حين يُثار خيالنا عند مُواجَهة ما هو جميل فنشعر بسرور، فإنّ خيالنا يُصاب بالشلل متى ما وقفنا أمام أمورٍ لها من الضخامة والقوّة ما يهالنا فنَشعر بضآلتنا أمامها وتفوّقها الهائل على كلّ قدراتنا الإنسانيّة، كالوقوف أمام البراكين والشلّالات والعواصف... إلخ. ما يهمّنا في ذلك كلّه هو الإشارة الواضحة إلى هشاشة الحياة الإنسانيّة وكيف بإمكانها أن ترتدّ إلى الدرك الأسفل من حيوانيتها عن طريق الخوف. وعلى عكس ما كان يَعتقد كانط، جاء مُواطنه شوبنهاور ليُعطينا وصفةً يُمكننا من خلالها أن نفكّر بجديّة في تلك الموضوعات التي تشكِّل تهديداً لنا كبشر: علينا البدء بالانصراف بوعي عن هذه الموضوعات، وعلينا كذلك أن نبذل كلّ جهد لفصْل هذه الموضوعات عنّا كأفراد، وعلينا أخيراً أن نستسلم للمَعرفة الخالِصة بها بما هي كذلك. وفقاً لوصفة شوبنهاور هذه، فإنّه يُمكننا فهْم تلك الموضوعات العصيّة على التفكير كهذا الوباء الخطير وغيره.

يتّضح حجْم التهديد الذي يُشكّله هذا الوباء عندما نَضع في حسباننا ذلك الحقّ الذي أعطاه الإنسان لنفسه منذ ظهوره في الأرض وهو تحديداً تشييد وبِناء «عالَمه». والعالَم يختلف عن الأرض، فالثاني هو هِبة الله أمّا الأوّل فهو على حدّ تعبير جون لوك في تعريفه للملكيّة الخاصّة: «عمل اليد وشغْل الجسد». العالَم وتنظيم شؤونه برمّتها كان ولا زال أمراً يجد الإنسان نفسه مُلزماً بالاعتناء به، بل إنّه لا يتوقّف عن التفكير لا بحاضر العالَم فقط، بل بمُستقبله أيضاً، ويتعدّى هذا الاهتمام أيضاً سنين حياتنا، ذلك أنّنا نحرص على هذا العالَم حتّى بعد زوالنا واختفائنا منه بالموت. ومن هنا قد نجد تفسيراً لما أَطلق عليه اليونانيّون لفظة Ideon؛ فهذه اللّفظة كانت تُطلَق على أيّ شخصٍ عزلَ نفسَه عن العالَم وعن الآخرين، ومن المعروف أنّ هذه اللّفظة هي الجذر اللّغوي للفظةٍ إنكليزيّة يتمّ تداوُلها كثيراً وهي idiot والتي تعني «معتوه» أو «أحمق»، وكأنّ لسان حال اليونانيّين يُخبرنا أنّ الشخصَ الذي يعيش في عزلة عن العالَم والآخرين هو معتوه أو أحمق بالتعريف. إنّ هَوَسَ الإنسان بعالَمه الذي صنعه قد تخطّى الكثير من الحدود بالفعل، وهو الأمر الذي قد أدّى بالضرورة للرفْع من شأن «العمل» وقيمته، وهو تلك العمليّة التي نصنع من خلالها هذا العالَم. بلغَ هذا الهَوَسُ ذروته مع ماركس في قوله (الذي وُصِم بالتجديف لدى بعض قارئيه): «العمل–وليس الإله–مَن صَنَعَ الإنسان»، وقال في مكانٍ آخر «العمل–وليس العقل–ما يُميّز الإنسان عن الحيوان».

بين المجال الخاصّ والعامّ

هذا الهَوَسُ بما شيَّدت يدُ الإنسان من حولنا قد رسَّخ الارتباطَ الوجوديّ للإنسان بهذا العالَم، ومن هنا يُمكننا أن نتصوَّر كيف أصابَ هذا الوباءُ العلاقةَ بين الإنسان والعالَم في مَقتل. في عالَمٍ، حتّى كِتابة هذه السطور، لم يَجِد لقاحاً أو ترياقاً لهذا المرض، لا يبدو أنّ «الخبراء» قد وَجدوا أفضل من نصيحة «ابقَ في المنزل»، وهي النصيحة التي اكتسحت العالَم بكلّ اللّغات وأَعطت الفُرصة للسلطة بأن تتسلّل–وتحت إطارٍ قانونيّ–فتَمنع أجسادَنا من الحركة بفرْضها حظْرَ التجوّل وبالطريقة التي تُحدّدها. لقد أَخرَجَنا هذا الوباء من عالَمنا الذي نظهر فيه أمام الآخرين كما يظهرون لنا، ليرُدّنا للعالَم الخاصّ، أو المَجال الخاصّ، حيث تتقلّص إنسانيّتنا فيَستغرقُ تفكيرنا في أمورِ البقاء على قَيد الحياة، كالأكل والشرب والتكاثُر والأمن الوظيفي والمال... إلخ. مَنظر السوق المركزي والمَخبز تحت وطأة الأزمة وتدافُع الناس وصُراخهم ومَعاركهم يكفيان للتذكير بالصورة «الحيوانيّة» التي قدَّمها رائد الواقعيّة السياسيّة الإنكليزي توماس هوبز للبشر في عصر الطبيعة حيث يتحرّك كلّ إنسان ويَسلك وفقاً لرغباته الأنانيّة الذاتيّة فقط. ويا له من ارتدادٍ مُخيف نحو المنزل، ففي المنزل يَسلك كلُّ فردٍ وفقاً للدور المُناط به ووفقاً «للمصلحة العليا» كما يُحدِّدها ربُّ المنزل أو الخبير أو الملك–الفيلسوف على حدّ تعبير أفلاطون وهو مَن يملك المَعرفة؛ في المنزل لا مجال للحديث عن حريّة، فالكلّ يَسلك وفقاً لدَوره «الطبيعي» الذي وَهبته إيّاه الطبيعة: لا مجال للاختيار في أن تحمل المرأة أو تضع وليدها، ولا مجال للاختيار في طاعة الولد لأبوَيه، ولا مجال للاختيار أمام الأب في توفير الخبز على المائدة. لا حريّة في المنزل، فالحريّة لا تكون إلّا بين مُتساوين، وهُم مَن لا نجدهم إلّا في المجال السياسي–خارج المنزل–حيث يُساوي المجال العامّ بين الناس فلا يستطيع أحدهم أن يفرض رأيه على الآخر بل هو مُجبَر على الحوار، ذلك أنّه السبيل الوحيد للإقناع.

في المنزل لا حاجة لك في أن تُمعِن التفكير في أيّ شيء، افعل ما يتوجَّب عليكَ أن تفعل وستُصبح عضواً مُتميّزاً في الأسرة، ولا حاجة لك في أن تعتني بشؤون الآخرين من أُسرٍ أخرى فهُم ليسوا من أولويّاتك: «ما يحتاجه المنزل يُحرَّم على المَسجِد»، لا يفوتنا هنا بالطبع أن نذكر أنّ دلالة هذا المثل الشعبي تضع الحاجات الأنانيّة الفرديّة قبل الواجبات الدينيّة. في المنزل نجد ارتداد الذّات من العالَم أو استحالته لمجموعة من الأشياء مهمّتها الوحيدة إرضاء رغبات هذه الذّات.

بين الوحدة والعزلة

أهذا كلّ ما نفعل في المنزل متى ما انسحبنا من العالَم وتُركنا لوحدتِنا؟ لا بدّ لنا للإجابة أن نستدعي تمييزاً مُهمّاً أقامه الفيلسوف وعالِم الدّين الألماني–الأميركي بول تيليش بين الوحدة Loneliness والعزلة Solitude؛ يقول تيليش: «لقد شَعرتْ لغتُنا، وبحكمة، بهذَين الجانبَين الداخلَين في تجربة أن تكون مع ذاتكَ. لقد ابتكَرَت كلمة «الوحدة» لتُعبِّر عن ألمِ البقاء مُنفرداً؛ و ابتكَرَت كلمة «العزلة» لتُعبِّر عن بهاء Glory هذا البقاء.» ربّما يتمّ استدعاء إحدى أهمّ المُفكّرات في السياسة في القرن المُنصرِم–حنّة أرندت–في مُحاولة فكّ شيفرة هذا التمييز. باختصار، تعتقد أرندت أنّ «الوحدة» لا تفترض أيّ تفكير أو تساؤل ذاتي بمعنى الحوار الداخلي بين الإنسان وذاته، فالشخص هنا يكون مُطيعاً للأمر وكلّ ما تعلّمه أو نَشأ عليه، وقد يكون الشخص المُتعصّب لأفكارٍ ما–وهو بالضرورة مَن يقبلها قبولاً مُطلقاً–مثالاً جيّداً على هذه الوحدة حيث لا يُمكن لهذا الشخص أن يدخل في حوارٍ ذاتيّ مع نفسه حيال هذه الأفكار فيتساءل عن سلامتها أو صحّتها. في هذه الوحدة يتمّ استبعاد الآخرين وآرائهم وكلّ ما يُمكنه أن يُشكِّل تهديداً لأفكارِ هذا الشخص. «الوحدة» لدى هذا الشخص أو ذاك تَفترض انسحابه التامّ من العالَم والآخرين بل وحماية نفسه بالتقوقُع داخل شرنقته أو برجه العاجي كما يُقال أحياناً.

تختلف العزلةُ عن الوحدة، فعلى الرّغم من كون الشخص مُنعزلاً عن الآخرين جسديّاً، إلّا أنّه يقوم باستدعائهم أو استحضارهم دوماً في تفكيره أو حِواره المُستمرّ مع ذاته، فهو يُراعي وجهات النّظر المُختلفة ويأخذها على محمل الجدّ بل إنّه يُعطي الفُرصةَ لعقله في أن يرتحل ليرى الحقائق من وجهة نظر الآخر. لا يُمكن لهذا الشخص أن يأخذ رأياً ما على أنّه حقيقة مُطلَقة لا تقبل الشكّ، فالآخر المُختلف ليس طَرَفاً مُكمِّلاً في الوصول إلى الحقيقة فحسب، بل إنّه طَرَفٌ تكوينيٌّ–يَدخل في تكوين الذّات–وهي الكيان المكلَّف بالبحث عن الحقيقة. تختلف العزلة عن الوحدة في إيمانها الرّاسخ بالإقناع، فعلى الرّغم من كون الحوار باطنيّاً، إلّا أنّه من الضروري أن يُحدِث اتّفاقاً بين المُتحاوِرين، وانتفاء هذا الاتّفاق يعني بالضرورة أن يظهر الشخص أمام الآخرين برأيَين مُتناقضَين، وهو ما يُحاوِل أيّ شخصٍ أن يتجنَّبه؛ فالشخص المُتناقض لا يُمكن للآخرين أن يثقوا به.

من الصعب أن ننسحب من العالَم ومن الآخرين للبقاء في ظلمات المنزل، ولا أدري إن كان بمقدورنا أن نفعل ذلك على الإطلاق. انفطر قلبي حين سمعتُ تلك الإيطاليّة المُسنّة المُلتزِمة بالحَجْر المنزلي حين قالت: «لا أريد أن أموت بمفردي بين جدران منزلي»–يبدو أنّنا لا نستطيع العيش كما لا نستطيع الموت أيضاً بانعزالٍ عن الآخرين. ولكنّ البقاء في المنزل أصبح قانوناً وعلينا اتّباعه، وفي مثل هذه الحالات الاستثنائيّة، لن نجد عزاءً لنا إلّا في العزلة حيث تسنح لنا الفرصة بالتساؤل حول سلامة يقيناتنا القطعيّة بأن نقلب أعيننا للداخل فنُسائِل أنفسَنا بكلّ حريّة عن أفعالنا وأخطائنا وخياراتنا وإمكاناتنا التي لم تتحقّق بعد...إلخ. العزلة لا الوحدة، هي مَن تَفتَح المجال للآخر بأن يحلّ ضَيفاً في حوارٍ خاصّ وصامت بيننا وبين أنفسنا فتعرض وجهة نظر مُخالِفة تقوم، إن صلحت، بتذويب كلّ الآراء الخاطئة التي كنّا نحملها من قبل، وعندها ستختبر شجاعتنا في تغيير هذه القناعات. كم هو صعب هذا الاختبار وكم نحاول دائماً أن نتهرَّب منه؛ وعلى الرّغم من هروبنا المُستمرّ إلّا أنّنا سنجد أنفسنا فجأة بمعزل عن الجميع، بيننا وبين أنفسنا، في لحظات لا يؤرق صفوها شيء إلّا صوت هذا الحوار الصامت الذي لا يُمكننا الهرب منه والذي هو قدرنا كبشر: التفكير.