د. هنادي سعادة

حكاياك صفحات تُفتَح كُلّ يوم، وغسيلك قطعٌ تتناثر بين الأحبال صيفاً وشتاءً، وأبجديتك مبعثرة بين المعاجم، ترحل بعيداً في سيارتك رغبةً في لملمة بقاياك النازفة مع الوقت، حاملاً بين ثناياك حقيبة الأحداث والذكريات والأشخاص والوقائع التي أخذت من أوتار موسيقاك اليومية كثيراً وكثيراً، لتجلس منفرداً بين الضلوع، تأخذ الأنفاس السماوية وتحكي لربِّ الكون ما يعتريك من أحلام تراها كلّ ومضة غيم.

ترجو هدوء نفس... تسابق القفزات بعد أن كنت وحيداً تتأمل الجدران الإسمنتية حولك؛ فتجدها ترتب معالمك اليومية بدءاً من فطورك الصباحيّ المكوّن من فتات أحلام ليلية صنعتها برغبتك ودهشتك؛ حتى نضجت مع الفجر أو كادت!

وطيركَ يفرد جناحيه نهار كلّ يوم، يرمق الأرض بنظرات مليئة بالوعود، ويحمل بين أوردته حكايات ينثرها هنا وهناك، وريشك لا يعبأ بسقوطه في مطارح الأرض والزوايا..

وتبدأ رحلة البحث بين الأرجاء والثنايا، تظنّ يقيناً أنك امتلكتَ حدود خريطتك لطريق يشبهك، وتنتظره لتكمل الطريق؛ فتجد نفسك في طريقك وحيداً إلا من خطواتك البطيئة... لتغيّر الطريق وتعود لنفسك؛ فتجد ضالتك تنتظرك على عتبة بيتك!

تأخذك رياضة التشبّث بالوجود صباح كلّ يوم، مبتسماً، بانياً جبل الحياة الشامخ، تاركاً شرودك، وصخبك، وغليان بركان روحك قابعاً في الجوف، تركن الوجوم، وتترك التفكير في غبار الأيام والأزمات ليقينك بأن بعد العسر يسرا.. ولجعبة الأمل الثابت في قلبك بأن أشجارك ما زالت تنمو، وأغصانك عالية، وثمارك ستراها بعد حين وحين!

وما زلت تنمو وتخطو... لتصطدم بظلال قاتمة تترصد خطواتك البطيئة المفعمة بحياة خُلِقت للتوّ، ترمق ثناياك وانحناءات كتفيك، ترميك بحروفها، وعيونها تبحث فيك عن كلّ ما ليس فيك، وتحبس حدود أنفاسك الطائرة، ولكن الظلال لا تعلم أن حدودها عثرة حجر في الطريق، وحروفها لغة لا صوت لها في الأسماع، وقوانينها قيدٌ أمام طائراتك الورقية التي تعلو في سماء الله كلّ يوم..

حزناً عليك، ورذاذ الهمسات تحكي لك بأنه قد يبدو أنك وُلِدتَ وفي نفسك ساحات مُعبَّدة من اللهاث بين أزقّةِ العابرين في الحياة، ومَن يحاولون التقاط أنفاسهم للعيش... تتجاوز بقفزاتك ظلالهم البطيئة، ظناً بتفوقك على خطواتهم التي تمشي على مهلٍ لا تعبأ بوجودك قيدَ أنملة، وتعيش بين السماء والأرض بلا خريطة!