سليم أيوب قونة

يحكى أنه في قديم الزمان، وفي ربيع عام 2020، هبت رياح عاصفة على المعمورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ!

فمن نافذة المركبة الفضائية «محروسة» المسيرة بالطاقة الشمسية لدراسة آثار ظاهرة التغير المناخي، تبين أن لون الكرة الأرضية المائل للزرقة قد تغير فأصبح أكثر احمراراً!

عندها شغّل رواد المركبة عدسات التصوير الدقيقة جداً، فلاحظوا أن كل مظاهر الحركة والتنقل بين القارات والأقطار والمدن قد توقفت. فلا طائرات مدنية في السماء، ولا سفن للركاب في البحار، ولا سيارات أو شاحنات على الطرق.. لا قطارات على السكك، لا أدخنة سوداء تتصاعد من المصانع، ولا فضلات سامّة تُلقى في الأنهار.

حتى الشوارع والساحات العامة في المدن والأرياف أصبحت خالية إلا من دوريات الشرطة والجيش وسيارات الإسعاف، وأغلقت أبواب دور العبادة والمدارس والجامعات والأسواق التجارية وأي أمكنة أخرى اعتاد الناس أن يلتقوا فيها من حين لآخر!

لقد حجر الإنسان نفسه في بيته (كهفه العصري)، ولم يعد يخرج منه إلا لاصطياد بعض الأطعمة وجلبها لاطفاله! فوسائل الإعلام التي لم يغمض لها جفن، ظلت تخبره أن أفضل سلاح لمواجهة الخطر المحدق به هو الانعزال داخل جدران أربعة، وكأن هذا العدو كان نوعا من المخلوقات الغريبة التي يرد ذكرها في روايات الخيال العلمي والتي تقتات على مصّ دماء البشر، فإذا لم تجد أمامها مَن تفتك به تسأم وتملّ وتجف عروقها، فتضمحل وتخور قواها فتذوب وتعود من حيث أتت!

لكن اختفاء مظاهر الحياة اليومية البشرية عن وجه الأرض أدى إلى انتعاش مكونات طبيعية أخرى للحياة. فقطر الثقب الأسود في الفضاء بدأ بالتقلص، وامتلأت طبقة الأوزون بالأكسجين، ودبّت الحياة في الغابات الاستوائية وأشجارها ونباتاتها، وزاد عدد المخلوقات البرمائية والأسماك والطيور التي تعيش على شواطئ البحار بكل أنواعها. لقد عادت الطبيعة والبيئة النظيفة لتقف على قدميها من جديد أمام انحسار وتقهقر التلوث الناتج عن المصانع التي كانت تهيء وتنتج وسائل العيش المادي الرغيد لللإنسان!

أطلق حكماء ومفكرو تلك الحقبة على العاصفة الغريبة اسم «كورونا»، ولكنهم انقسموا إلى معسكرَين إزاء نتائجها!

فريق أول رحّب بالتغييرات الإيجابية التي طرأت على البيئة الطبيعية للكرة الأرضية ووحّدت الشعوب والحكومات في المواجهة الجديدة، والتي بدأ مواطنوها يتصرفون ويفكرون وكأنهم أبناء قرية واحدة مسالمة صغيرة، تتعرض لخطر الإبادة من عدو مشترك غامض المنشأ والقوة والهدف. وتقاربت وجهات النظر القائلة بأن الإنسان هو أسوأ عدو لنفسه!

فريق ثان رأى أن هذه العاصفة «كورونا» قادرة على شلّ النشاط البشري الذي عرفه الإنسان منذ قرون بكل أشكاله الصناعية والعلمية والثقافية، إذا لم يقم العلماء والمخططون بالتوصل لخطة محكمة وترياق فعال للقضاء عليه أو على الأقل وقفه عند حده والتقليل من آثاره المدمرة التي باتت واضحة للعيان خلال فصل واحد فقط من السنة!

ظل السجال بين المعسكرين دائرا لبضعة فصول لاحقة، وظلت المركبة الفضائية ترصد ما يحدث هنا وهناك، وتتابع ما يتم التوصل إليه من اختراعات علمية وحجج جديدة يطرحها أحد المعسكرين ضد الآخر.

لكن المؤرخين في المعسكرين وبعد مشاورات مطولة، بدأوا باعتماد مصطلح «ق.ك» و"ب.ك» لتحديد تاريخ ما شهدته الكرة الأرضية من أحداث قبل ربيع 2020 وما بعده!