اعتماد منهج النقد والمراجعة ثم التغيير والتحديث هو حجر الأساس في حملة نفض غبار التخلف السياسي والثقافي والاجتماعي، وهو مفتاح التخلص من أوهام السمو والكمال وتلمس واقع الانحطاط الذي تعيشه الأمم الواهمة باصطفائيتها وايمانها بأن دورها مقتصر على التوجيه والهداية فقط، وأن أمم الأرض الاخرى مُسّخرة لخدمتها وصنع غذائها ودوائها وملبسها، وهذه احدى العراقيل التي تواجهها المجتمعات العربية والإسلامية، بالإضافة إلى عراقيل التمسك بتلابيب السلطة من قبل حكامها الأشاوس، ولذلك فان الشعوب المغلوبة على أمرها والمكبلة بقوى الديكتاتورية والمسلحة بشعارات وتفسيرات غلفوها بهالة القداسة والمُغرقة بالتشدد والغموض، تقف أيضا كتفاً إلى كتف مع الغيبيات والتفسيرات والتأويلات التي ما أنزل الله بها من سلطان لترسيخ قاعدة «بقاء القديم على قدمه»، وما غير ذلك من خطابات تظهر عليها بين الحين والاخر عن ضرورة التنوير وتحقيق التنمية والازدهار و"الاسترخاء» وتحسين الخدمات وجودة التعليم والمرافق الصحية وارساء قواعد حوكمة الدولة وتحقيق الديمقراطية لا تعدو أن تكون فقاعة كلامية تنتهي بانتهاء كلام المسؤول في طول وعرض وطننا العربي الكبير.

لا يمكن تحميل الزعماء العرب وزر غياب التنمية وعدم الاخذ بأسباب النهوض ليس لان ذلك يشكل خطر ديمومة تمسكهم بتلابيب السلطة، بل يجب ان لا نُبرأ ولاة الامر ممن هم دون السلطان الاكبر، كالوزراء واعضاء مجالس الشعب المنتفعة ببركات المشاركة في الحكم والمفكرين والكُتاب وشيوخ الخدمات والشرهات الذين يسهمون بعمليات التعمية والتضليل والتدجين الشعبي، ولذلك فان الشعوب هي الطبقة المسحوقة، وهي وحدها التي عليها ان تبذل العرق والدماء.

الأحداث الأخيرة في الجزائر والسودان خير مثال على ذلك، فحكم الرجل الواحد مع الطبقة المستفيدة والمنتفعة لم تترنح إلا على وقع قبول التغير الشعبي، لم تجرأ الطبقة المشاركة مبركات الحكم أن تقدم النصيحة لرؤساء الحكم طيلة الحياة، ولم يأخذوا بسوابق التاريخ ولم يتذكروا أو ربما لم يطلعوا على «الماجنا كارتا» قبل أكثر من 800 سنة، ولا على «إعلان حقوق الإنسان» قبل أكثر من 200 سنة، ولا على «لائحة الحقوق» قبل أكثر من 300 سنة، عندما تقدم وجهاء الشعب والنواب لإجبار الحاكم على الالتزام بالحقوق الدنيا والإفراج عن أدوات الديمقراطية والحرية وتحقيق التنمية وتوسيع قاعدة الرقابة والحكم.

لم تجرؤ جهة التحرير الوطني الجزائرية، ولا المؤتمر الوطني الحاكم بالسودان على تقديم النصح والتوسل لحكامهم بالتنازل ومغادرة كرسي الحكم، والاحتفاظ بماء الوجه، بل لا بد أن يعيد التاريخ نفسه فالحاكم بأمره العربي لا يملك خياراً ثالثاً، فإما الجلوس على كرسي الحكم أو مغادرته فراراً أو حبساً إو إلى القبر.