جعفر العقيلي

بوفاة الكاتب إلياس فركوح، ظهيرة أمس الأربعاء 15 تموز 2020، على إثر أزمة قلبية، يودّع المشهدُ الإبداعي العربي اسماً وازناً حقق حضوراً لافتاً في ما قدمه من منجز إبداعي شمل الرواية والقصة والمقالة والترجمة والنص المفتوح، واستحق عليه جوائز أدبية معتبرة عربياً، فضلاً عن مشروعه المغاير في النشر وصناعة الكتاب الذي تجسّد في دار أزمنة.

بدأ فركوح كتابة القصة سنة 1968، ولم تكن محاولاته آنذاك أكثر من ردّات فعلٍ لإنسان مهزوم على إثر النكسة، بل إنه يعترف أن تلك المحاولات كانت نوعاً من إطلاقِ طاقةٍ كان يجب أن تُفَرَّغ، وأن الروح الحزيرانية كانت غالبة عليها. وقد حملت محاولته الأولى اسم «الرجال يبكون أيضاً»، وهي التي أرسلها إلياس إلى القاهرة آملاً أن تُنْشَر في مجلة «نادي القصة»، لكنهم اعتذروا عن نشرها لعيوب أشاروا إليها في باب بريد القراء.

ثم توقف إلياس عن محاولاته القصصية خمس سنوات، انهمك خلالها في اكتساب المعرفة بما يمكّنه من اتّخاذ موقف واضح ومحدد تجاه ما يحيط به كإنسانٍ في وضع مهزوم.. وقد تمخّض هذا عن قصة حملت عنوان «طائران» كُتبت في الأيام الأخيرة من الشهر الأخير لسنة 1975. وبعد عامٍ تقريباً، حظيت إحدى قصص إلياس بالنشر.

وبينماكان العالم يودّع الساعاتِ الأخيرة من عام 1976، كان إلياس يطلق صرخته الأولى مبدعاً، معلناً خروج مشروعه الأدبي إلى النور، عبر «الطين» التي نشرها في صحيفة «الشعب».

وكما يروي إلياس، فقد حار في أمرِ كتابته على مدار مجموعتيه الأوّلَين؛ «الصفعة» (1978)، و"طيور عمان تحلّق منخفضة» (1981). لقد كتب قصصَ المجموعتين ناهلاً من تجربته الشخصية ومعايشته تفاصيلها، عاملاً عليها بجبلة تخلط لغةَ الفلسفة (التخصص الذي درسه في الجامعة) بِمُدَّخره من كليّة قراءاته الأدبية والسياسية؛ إنما عبر تلك المصفاة التي تقطر موقفاً محدداً وواضحاً من مسائل الصراع.

كان إلياس أميناً في نقل الكثير من حيثيات الواقع إلى الورق، وصادقاً في موقفه المعلن خلال القصة؛ لكن أمراً ظلّ يؤرقه طوال الوقت: «هذا ينقصه سوسة الشك، إذ ليست الحياة على هذا النحو المفهوم: هذا لستُ أنا كما أريد أن أكون كخالقٍ لنصّ مكتوب: كسابر لجوّانية ترى في كائنات الخارج تغايراً في حيواتها الظاهرة: كمستنطقٍ للصمت الذي ورثه عن أبٍ باعدَ العمرُ بينهما، فلا الأول يسأل، ولا الثاني يقول. ثم وقعتُ على جملة لسعدي يوسف استوقفتني: (أسير مع الجميع وخطوتي وحدي)... أحتفظ لسعدي بذكرى انعتاقي من حجم الوهم الذي سيّر قصصي الأولى، وكبير الحذر من سطوة القراءة المؤدلَجة، والنقد المؤدلِج للنصوص... صار عليّ بعد هذا أن أكون أنا تماماً، بكاملي، مطلِقاً للداخل مني حرّيته حتى تشيخ الأجنحة أو تنكسر». هكذا أراد إلياس نفسه: يسير مع الجميع، وخطوته وحده.

وفي الثمانينات، بدا إلياس وكأنما يولَد قاصّاً جديداً، كما يروي.. قاصاً بات يرى في التفصيل الواحد حياةً غير محدودة، وبالتالي لا يعوّل على لحظةٍ بعينها يعتقد أنها تُظهر حقيقة الشيء أو يقينه. لقد خلص إلى أن التفصيلَ يتضمن تحولاتٍ هي حياةٌ بذاتها، بينما كانت الحياةُ، من قبل، لا تكتمل لديه إلاّ بحشد كمٍّ كبير من التفاصيل.. وقد أقرّ في غير حوار معه بأن هذا فارقٌ وتحوّلٌ تلازمَ مع إحساسه الجديد باللغة؛ إذ صار لها وقْعُها التناغمي.. ليس شعراً، لكنه قريب من الشعر في شفافيته المخاتلة.

وهكذا عثر إلياس على اللغة المناسبة في بنائها المتهرّب من القطع، والتي يحاول من خلالها الإمساك بلحظة من لحظات تحوّل التفصيل إلى ضوء آخر: تدرُّج التفصيل في مخاتلته ليكون كينونةً أخرى. وذهب بعيداً في هذا، وانقلبت القصة لديه من قصةِ حدثٍ صغير يتضمن موقفاً ورؤية، إلى قصة حالةٍ صغيرة تختزن حياةً كاملة وفق رؤيا خاصة به.

إن الكتابة بحسب فركوح، لا تتعامل مع صدفة، وهي ليست نتاج الصدفة على الإطلاق.. إنها ممارسة واعية كما يرى؛ فعلٌ مقصود يصدر عن ذاتٍ تبصر كل ما يحيط بها، وتسجّل الجزئيات بوعيٍ متيقّظ، كي تصوغها في ما بعد ضمن تركيبٍ فنّي يتسق ووجهة نظرٍ تسري في الحياة، وتحكم عليها.

لم يتوانَ إلياس، في كتابته السردية ومقالاته وشهاداته وحواراته، عن تأكيد رغبته في أن يُشرك القارئ بـ«متعة القراءة الصعبة» وفق التعبير الذي أطلقه العراقي أسعد محمد علي وهو يتناول رواية «أعمدة الغبار» بالدراسة. ويضرب إلياس مثالاً نموذجياً: لماذا لا نطلب من معزوفة كلاسيكية أن تبسّط نغماتها بحيث يمكن لمستمعيها أن يستمتعوا بها؟ لماذا نسمح بالتركيب الموسيقي في الأعمال ذات الأهمية، ونصرّ على تكرار سماعها مرات ومرات كي نصل إلى الإحساس بالمتعة؟ أوَليست عملية الكتابة في جوهرها تمتلك خاصية التأليف الموسيقي، وبالتالي: هل يمكن القياس على السائد، أم على الاستثنائي؟ فإذا كان السائد في الموسيقى هو المقطوعات الموسيقية الخفيفة ذات الطابع الإيقاعي الراقص والسهل الذي يُمْكِنُ سماعه حتى ونحن نقود سياراتنا في الشوارع، فإن بيتهوفن سيكون نخبوياً ومحايداً وبارداً، ولا تملك موسيقاه أي توتر!

في كتابته، ظل إلياس يسعى إلى اختلافه، وإذا كان ثمة ما يدعوه إلى النفور، وفي الكتابة على الخصوص، فإنما هو الأشباهُ. فالأشباهُ ليست أصيلة، حتى وإن كانت تقارب أصولَها. إنها مستنسَخات، صور تقريبية، تبعية، تعيش حياتها القصيرة في ظل غيرها، ثم تموت. تموت بلا أي أثر كأنما لم تكن أصلاً.

إنه يؤمن بأنه كأنما للشيء الواحد هنالك ثمة ثلاث حيوات مستقلّة: حياته تحت الشمس، وحياته في داخله، وحياته في الكتابة.. هكذا عمل فركوح، وطوّع قصته وكتابته أن تكون: طوّعها أن تكون مفردة -أو تحاول ذلك- ليس في ماهيتها الفنية-الكتابية حسب؛ وإنما في المعلَن المكشوف منها أيضاً. فما دام هو (الإنسان/ الكاتب) مفرداً وواحداً، في إطار الحياتين الأخيرتين من الحيوات الثلاث للشيء الواحد؛ فإنّ تشابُهَ نصّه، أو اقترابه من أيّ نصٍّ آخر، سيكون بمثابة الخيانة (إن كان واعياً)، أو هو الرقم السهل عديم المعنى (إن كان غافلاً)، كما يقول.

لذلك، وجدَ إلياس ضالّته نحو الاختلاف: اللغة. فانتسب مبكراً، وخصوصاً في مجال الرواية، إلى الموجة التي دعاها إدوار الخراط «الحساسية الجديدة» في الكتابة العربية. منطلقاً، وفقاً لما يراه الناقد فيصل دراج، من أن العمل في اللغة دربٌ إلى المعرفة. فهذا الفهم لدور اللغة، إلى جوار الميل إلى الجديد، ومجافاة التقليدي المطروق.. كل ذلك يفضي إلى الاحتفال باللغة، والاحتفاء بالجمالية اللغوية. ويرى دراج في سياقٍ متّصل، أن الوسيلة الأكثر ميلاً وسيطرة في تجربة إلياس الروائية، هي اللغة، التي تعمل جاهدةً مجتهدةً مجاهدةً على الانسحاب من اللغة المكتوبة المسيطِرة، وعلى بلوغ مقام خاص بها، تكون فيه لغةً بكراً مصقولة وجديدة.

كتابة إلياس أنيقة، بحسب التعبير الذي وضعه الناقد العراقي طراد الكبيسي، وهو يتناول رواية «أعمدة الغبار»، واصفاً إياها بـ«رواية الأناقة»: «أناقة في اللغة، أناقة في الأسلوب، أناقة في رسم الصور وتكوينها وملئها، أناقة في الأفكار والجدل وجدل الأفكار، أناقة في ذاكرة أنيقة، وأناقة في الأناقة». وهي كتابة، كما يؤكد إلياس دائماً، لا تبدأ بوهم البحث عن يقين، ولا تمسك عبر آلاف الكلمات المكتوبة بوعيٍ مشحوذٍ إلى درجة البتْر، بأيِّ يقينٍ سواها: «بعد خمسين سنة، وإثر محطات (وضع اليد) على كثير من (الإجابات)؛ تراني أعود للتأتأة بالأسئلة عني؟».

هذا هو إلياس الذي يقول في إحدى شهاداته: «إني أتساءل الآن، وبصدق نسبي، إذا ما كنت بعد رحلة الكتابة الفعلية... قد عثرت على ما أريد؟ أم أن ثمة خطأ في (الاختيار) اقترفته، وما زلت ممعناً في العناد والمكابرة، ثم يخطر لي أن أتخيل نفسي أي شخص سأكون إن لم أكن ما أنا عليه الآن.. فلا أجد إلا بياضاً بمقدور كل الناس سواي أن يملؤوه–فأنا الأضعف ربما!».

إنه، وكما يكشف في إحدى شهاداته، مثل أبيه، يشترك معه في -أو ربما ورث عنه- صفة الصمت. وقد تكون مراقبته لأبيه بصمته الكثيف، ما حفزت لديه خيال الافتراض: أن يفترض عالماً كاملاً يعيش فيه أبوه، عالماً ليس مسكوناً حقيقةً بهذا الصمت المعلَن الخادع بمعنى الفراغ، ولا بهذه المحدودية في المكان المقبوض عليها. وكان صديقه الراحل مؤنس الرزاز قال له ذات يوم: «أنت مستمع جيد»، وكان إلياس فعلاً كذلك، فنسج على نول العامة: «من يحكي يزرع، ومن يسمع يحصد».. وما أكثر الحصاد!

اللغة بالنسبة لإلياس فركوح، قاصاً وروائياً وناصّاً، كائنٌ يقيم معه حواراً متّصلاً وندّياً، بحيث يستنطقه إلياس، ويسمح هذا الكائنُ لإلياس باستنطاقه.. واللغة، كما يرى إلياس، واحدةٌ عند الكاتب الواحد، وإن تحرّكت نصوصه بين الأجناس، أو تنقلت بين فروع الجنس الأدبي الواحد. ليس هذا حسب؛ وإنما هي اللغة ذاتها تتقدّم العناصرَ جميعها لتقود النصَّ إلى تركيبه الخاص، وإلى ما سيؤول إليه عند جملته الأخيرة.

ويتفق الكثيرون على أن كتابة فركوح في القصة والرواية، تشي بشعريةٍ ما، وهو يوافقهم على هذا، لكنه يتساءل: «أهي شعرية اللغة، أم المخاتلة الشعرية للحالات التي يتكشّف عنها النصّ؟». فالمخاتلة –كما يرى فركوح- وَجْهٌ من وجوه حرْف الصورة عن مألوفها. وتلكُمْ واحدة من سمات الشعر: أن نرى الأشياء على غير ما اعتادت أبصارنا أن تراها عليه. وهنا يصير للقصة أو الرواية أو النصّ الذي يكتبه فركوح سمةُ الشعر، كما يرى أيضاً.

غير أن هنالك ما يشغل فركوح حقاً بخصوص اللغة. إذ يتساءل: «كيف صار لي وأن امتلكتُ في داخلي إيقاعي الشعري، بينما تحديداتُ لغة الفلسفة تتخللها ما تزال؟ هي لغة تلزمني لأن يكون بنائي متّسقاً، متنامياً، منطقياً لا تشوبه زلّةُ تفكير أو فسادُ خطوة. كَمُنَ هذا السؤال فِيَّ طويلاً، ولم أجد عنه جواباً بعد».

سيرة من الإنجاز

وُلد إلياس جورج فركوح سنة 1948 في عمّان، تلقّى تعليمه حتّى الثانويّة العامة متنقّلاً بين عمّان والقدس، وحصل على شهادة البكالوريوس في الفلسفة وعلم النفس من جامعة بيروت العربيّة سنة 1976.

عمل في الصحافة الثقافيّة (1977-1979)، وشارك في تحرير مجلة «المهد» الثقافيّة الفصليّة طوال فترة صدورها، وشارك الشاعرَ طاهر رياض العمل في «دار منارات» للنشر حتّى توقُّفها سنة 1991، ثم أسس دار أزمنة للنشر والتوزيع سنة 1992، وأدارها منذ ذلك الحين وحتى وفاته (15 تموز 2020)

نال فركوح جائزة أفضل مجموعة قصصيّة من رابطة الكتّاب الأردنيين سنة 1982 عن مجموعته «إحدى وعشرون طلقة للنبي»، وجائزة الدولة التشجيعيّة/ الآداب من وزارة الثقافة سنة 1990 عن روايته «قامات الزَبَد»، وجائزة محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة من رابطة الكتّاب الأردنيين سنة 1992 عن مجمل مجموعاته، وجائزة الدولة التقديريّة/ الآداب من وزارة الثقافة سنة 1997، وجائزة تيسير السبول للرواية من رابطة الكتّاب الأردنيين سنة 2008 عن روايته «أرض اليمبوس».

له نحو 30 عملاً أدبياً، تأليفاً وترجمةً من اللغة الإنجليزية، منها:

1. «الصفعة»، قصص، 1978.

2. «طيور عمّان تحلّق منخفضة»، قصص، 1981.

3. «مَن يحرث البحر»، قصص، 1986.

4. «قامات الزّبَد»، رواية، 1987.

5. «آدم ذات ظهيرة»، قصص (ترجمة، بالاشتراك مع مؤنس الرزاز)، 1989.

6. «أسرار ساعة الرمل»، قصص، 1991.

7. «أعمدة الغبار»، رواية، 1996.

8 «حقول الظِّلال»، قصص، 2002.

9. «بيان الوعي المستريب: من جدل السياسي-الثقافي»، 2004.

10. «النهر ليس هو النهر: عبور في أسئلة الكتابة والرواية والشعر»، 2007.

11. «أرض اليمبوس»، رواية، 2007.

12. «الكتابة عند التخوم: الذات الراوية هي الرواية»، 2010.

13. «مَن رأيتُهُ كان أنا» (مجلد يضم المجموعات القصصية السبع)، 2011.

وزير الثقافة ينعى فركوح

نعى وزير الثقافة د.باسم الطويسي الروائيّ والقاصّ والمترجم والناشر الأردني إلياس فركوح الذي توفي عصر أمس الأربعاء عن عمر ناهز 72 عاماً

واستذكر الطويسي في بيان صحفي سيرة الراحل وحضوره في المشهد الثقافي الأردني والعربي، ودوره في إغناء المكتبة العربية ودوره الريادي في حمل مسؤولية النشر.

وعدّ الطويسي رحيل فركوح خسارة كبيرة للحركة الثقافية وصناعة النشر وحقل الترجمة الذي قدم فيه فركوح العديد من العناوين المهمة للقارئ العربي.