عمان - رويدا السعايدة

وأنت تجول في شوارع منطقة «اللوبيدة» بعمّان قد يفاجئك مشاهدة فتاتين تقفان خلف عربة لصناعة «الرشوف» لبيعه بأحد هذه الشوارع.

«ريم» و«ساجدة» كسرتا حاجز ثقافة العيب المجتمعية حيال العمل بوقوفهما خلف عربة للبيع في الشارع لكسب رزقهن بأيديهما.

رواد المنطقة لم يعد المشهد يفاجأهم، وكثير منهم ينظر بعين الود والرضا إلى هاتين الفتاتين، بل احترامهم لهما وتقديرهم وبخاصة عند أولئك الذين يعرفون أوضاعهما وأحوالهما ومدى صعوبة ظروف معيشتهما.

«ريم» و«ساجدة» لم تسلما من تداعيات جائحة كورونا التي أرهقت العالم منذ قرابة الستة شهور وباتت تلقي بتبعاتها على العاملين؛ إذ فقدت كل منهما وظيفتها وبدأت تتراكم عليهما الديون من إيجار البيوت ونفقات المعيشة.

هنا، توقف مصدر رزقهما الوحيد الذي تعتاشان منه، وهما في الأصل كانتا ضحية عنف أسري أفضى إلى انفصال كل منهما عن زوجها واعتمادهما على ذاتهما لتأمين لقمة العيش وعدم الرضوخ لتحديات الحياة التي تكالبت عليهما دون رحمة.

الشابة «ريم» ابنة الـ31 عاما، والشابة «ساجدة» 30 عاماً، هن جارات يقطن ذات العمارة قررتا بعد أن فقدن وظائفهن التوجة للبحث عن مصدر رزق آخر.

«ساجدة» لم توفق في الحصول على فرصة عمل، إلا أن «ريم» تمكنت من العمل في مركز طبي براتب (250) دينار وهو لا يكفي لتسديد إيجار المنزل وفق قولها، رغم ذلك رضيت به.

كسب الرزق يحتاج السعي، وهو ما آمنت به الشابتان اللتان قررتا إطلاق مشروع يختص بإعداد الرشوف، وهو أكلة تراثية وصحية.

قررت ريم وساجدة التوجه إلى العمل الريادي والبدء بمشروع صغير قد يدر عليهما المال لتسديد احتياجاتهما من خلال استدانة مبلغ (200) دينار لشراء عربة وتجهيزها لتجعلاها محلا لبيع «الرشوف».

اختارت الشابتان منطقة اللوبيدة، كونها منطقة سياحية إلى حد ما، وهو ما يساهم في تسويق منتجهما وإنجاح مشروعهما.

في البداية واجهتا صعوبة تقبل الناس لمبدأ عملهما في عربة على الطريق، لكنهما صمدتا؛ وفرضتا احترام الناس لهما ولعملهما وأصبح الكثير من الزبائن يقدرونهما ويقفون إلى جانبهما ويدعمونهما.

ظروف الحياة الصعبة وعدم الخضوع لنظرة المجتمع وكسر قيد ثقافة العيب هو ما دفع ساجدة وريم لتطبيق فكرتهما على أرض الواقع رغم كل المحبِطين، تقول ساجدة.

الأمر لا يقف عند التعجب من قدرة الشابتين على خوض هذا الباب من أبواب العمل؛ وإنما عندما يعلم الناس أن ساجدة تحمل درجة البكالوريوس في اللغة الانجليزية وريم تكافح الحياة بشهادة الثانوية العامة.

تمتلك الشابتان ثقة وطاقة عند وصفهما للعمل الذي تقومان به؛ إذ تستلم «ساجدة» العمل من الرابعة وحتى الثامنة مساءاً لتأتي «ريم»، بعد أن تنتهي من عملها الصباحي في عيادة طبية، وتستلم العمل من الثامنة وحتى العاشرة مساء.

اختيارهما أكلة الرشوف مردُّه كونها أكلة أردنية تراثية بدوية منتشرة بين أبناء البدو والأرياف، وهي تتكون من الجميد والجريش (أو الرز) والعدس والبصل والحمص والسمن البلدي، وتضاف عليها عشبة «اللوف».

ويعد الرشوف، وفق ساجدة، «من الأكلات المشبِعة والخفيفة على المعدة وذات مكونات صحية».

وتلتزم الشابتان بجميع الإجراءات الصحية الوقائية من ارتداء كمامات وقفازات، وحصلتا على شهادتي خلو من الأمراض المعدية لتتمكنا من ضمان العمل في بيع الرشوف.

ويباع المنتج بحجمين: الأول بسعر دينار وهي وجبة سريعة؛ أما الأخرى فيرافقها المخلل والجرجير والخبز، وتباع بدينارين.

وتفتخرالفتاتان بنفسيهما، وتقولان: «لم نخجل من العمل خلف عربة في الشارع»، وهما تأملان أن تجدا الداعمين لهما وأن تحققا حلمهما بالانتقال من العربة إلى مشروع تجاري كبير لتمتلكا مطعماً يختص بصنع الرشوف.

وتتطلع الشابتان إلى أن تكونا قدوة لغيرهما من الفتيات لتشجعيهن على العمل وكسب رزقهن بأيديهن وأن لا يكنَّ عالة على أسرهنَّ أو مجتمعهنّ.

مثال «ريم» و«ساجدة» يحتذى في تحدي صعوبات الحياة ولتكونا قدوة لأي شاب أو شابة للتشبث بالطموح والإصرار على تحقيق ما يتمناه، والتمرد على الواقع.

وهما تحضّان الشباب، وبخاصة المتعطلين عن العمل، على أن يبادروا في البحث عن عمل وألا يستسلموا للمحبِطين.

وتنصحانهم بأن يكونوا عنيدين ومصممين لحين الحصول على مرادكم».