عمان - فاتن الكوري

قال الكاتب مخلد بركات إن الأزمات «تخلق العبقريات»، لأن الإنسان سيكولوجيا مدفوع للنجاة والبحث عن الحلم والفردوس المفقود، مضيفا أننا لو تتبعنا الأزمات والنكبات والحروب في التاريخ، «لوجدنا أنها فرّخت أعمالا أدبية عملاقة، وفلسفات مشرقة نحو الحياة».

ورأى بركات في حوار مع «$» أن هناك «استفزازا كورونيا» دفعه لـ«كتابة شطحات فلسفية حول هذه الجائحة وكيف نغرت أرواحنا وعرّتنا أمام شمس الرحيل»، موضحا أنه نشر بعض ما كتبه على مواقع التواصل الاجتماعي، ويفكر لنشرها ضمن كتاب بعنوان «سقيفة واطئة، بجانب بيتي»، كاشفا في الوقت نفسه أنه عمل خلال فترة «كورونا» على تحرير وتنسيق كتاب من واقع تخصصه في علم النفس، بعنوان «السيكودراما وتطوير السلوك القيادي لدى الأطفال».

تاليا حوار مع بركات حول انشغالاته الإبداعية في الفترة الأخيرة.

كيف تقضي يومك وسط هذه الأجواء والتدابير الحكومية الهادفة إلى حماية المجتمع من فيروس كورونا؟

- الأزمات تخلق العبقريات، لأن الإنسان سيكولوجياً مدفوع للنجاة والبحث عن الحلم والفردوس المفقود. لو تتبعنا الأزمات والنكبات والحروب في التاريخ، لوجدنا أنها فرخت أعمالا أدبية عملاقة، وفلسفات مشرقة نحو الحياة. الحرب العالمية الثانية أفرزت الفلسفة الوجودية (جان بول سارتر)، وفلسفة العبثية ورائدها «ألبير كامو»، والدادائية، و تطوير نظرية التحليل النفسي لفرويد (الفرويديون الجدد). والحرب الأهلية الإسبانية جوّدت أعمال «لوركا»، المغني الجوال الذي غنى ضد الحرب بالشعر والقيثارة وأهازيج الغجر، كما كتب ماركيز رائعته «الحب في زمن الكوليرا» ضمن أجواء تفشي الكوليرا الطاحن آنذاك، إذ خلقت الرواية فضاء موازيا للحب ضد الموت.

من جانبي كانت هذه المعايير والمؤشرات التاريخية محفزة لي للتأمل والقراءة أكثر داخل مكتبتي، «علبة الليل الهادئ»، أثناء فترة الحظر الرسمي، فأعدت العلاقة الغرامية مع مكتبتي، وقرأت الكثير بروح مستكشفة وعقل ناقد. ومن جانب آخر، ولعشقي للطبيعة البكر، كنت في الربيع، أتسلل خلسة وحيدا إلى سمو التلال قريبا من بيتي، عرصاتها وقيعانها، لأتأمل العصافير، وألتقط بالكاميرا خاصتي عشرات الأزهار البرية، وأعيد تأثيث ذاكرة الرعيان داخلي، و«أركي» إبريق الشاي المشحبر على حجارة أثافي العمر، ودخان أعواد الغيصلان والزعرور عابقة، لتنطلق «هجينية» تغازل الآفاق، وترسم أملا بالغد بالرغم من كورونا.

بوصفك مثقفا.. هل عملت هذه الأزمة والأحداث الراهنة على تغيير مفاهيمك تجاه الحياة والعصر الراهن والصراعات الدائرة فيه؟

- كورونا غيّرت العديد من المفاهيم الحياتية، لأن المفهوم بالأصل مرن وقابل للانزياح، كما غيرت طقوسا وعادات كانت متأصلة في أرواحنا وهي ثقيلة وتحتاج إلى التقليم، لمواكبة الحياة، وخلقت سلوكيات مختصرة، مشذبة، فيها السرعة والإنجاز. كورونا أعادت فكرة الضدية وصراعها المحموم بين الموت والحياة، بين المرض والصحة، بين النور والظلام، وكيفية تفكيك هذه الثنائيات التي هي في الأساس جوهر الحياة وصيرورتها، وكان لا بد لنا أن نستجيب لهذا الظرف، ونغير ما اهترأ من سلوكياتنا وعاداتنا المخثرة. مثلا الدراجة الهوائية في العديد من دول العالم (الصين مثلا) مفردة حياتية تسهم في تخفيف أزمة السير والتواصل، أما في بلادنا فهي في العموم للتسلية. كورونا أعادت هذا المفهوم للواقع، فغدت الدراجة الهوائية وسيلة للتنقل الحر وتأمين متطلبات العيش من البقالات والدكاكين، وليس ركوبة أطفال فقط. كورونا أعادت الصلابة للنسيج العائلي، للحوار وسرد الحكايات في التعليلة التي نسيناها، أعادت للجدات سطوة حكاياتهن في الليالي المقمرات، والعودة إلى أطفالنا نجالسهم ونسمع همساتهم ومشاغباتهم اللذيذة.

الصراعات الداخلية والخارجية بين الدول توقفت، العالم وقف للمرة الأولى أمام مرايا ضخمة ليرى الأصوب ويراجع حساباته، الطبيعة تنفست، الفضاء ارتاح من طيش الإنسان، البيئة صارت أكثر نقاء، وبرزت العديد من القيم الاقتصادية في التدبير والتوفير.

أنا شخصيا، وخلال تأملي، زاد إيماني بأن الحياة توهب الحياة، وتحتاج إلى التركيز وإلى عين ثالثة للفهم والاستبصار، وقراءة باطنية لصراعاتها الضدية التي تمور في أعماقها ضمن أبعاد متعاكسة ومتناغمة في آن، والتعايش الحميم مع كل قطرة فيها، ولا تستأهل كل هذا الصراع من أجل الماديات، فالروحانيات أسمى وأبقى.. هي النقوش السعيدة.

هل ساهمت الظروف الراهنة في توجيه قراءاتك أو إعادة ترتيب تفضيلاتك في القراءة؟

- بالطبع، رسمت الأزمة مسارات للقراءة لدي، فتركزت قراءاتي في إعادة البحث في الأسطورة والفلسفات وعلم النفس، قرأت بعمق ما كتبه فراس السواح في «مغامرة العقل الأولى» و«الألوهية المؤنثة» في وجدان طفولة البشرية، وكيف أن الأسطورة والمخيال الشعبي تتسرب في اللاوعي الجمعي لنا؛ لننام على وسادة الخرافة مرتاحين حالمين مخدرين، بحسب نظرية «كارل يونج» بهذا الخصوص في الأنماط البدئية، وما كتبه «نيتشه» و"إريك فورم»، و"هيجل» في الجدلية وقوانين النفي ونفي النفي. كما تعمقت بحكم تخصصي في علم النفس، في قراءة تحليل الشخصيات، ومنظورات علم النفس للأدب والفكر، والنظريات الكبرى في التحليل النفسي وتشكيل الهوية والذكاء الانفعالي، وعلم النفس الايجابي، والتفكير الناقد والإبداعي.

هل دفعتك أزمة كورونا إلى الكتابة حولها؟

- بالطبع، هناك استفزاز كوروني، فكتبت شطحات فلسفية حول هذه الجائحة وكيف نغرت أرواحنا، وعرّتنا أمام شمس الرحيل، نشرت بعضها على مواقع التواصل الاجتماعي، وهناك تفكير لنشرها ضمن كتاب قد أختار له عنوان » سقيفة واطئة، بجانب بيتي». كما عملت على الانتهاء من تحرير وتنسيق كتابي الجديد من واقع تخصصي في علم النفس، وهو» السيكودراما وتطوير السلوك القيادي لدى الأطفال».

هل تعتقد أنه سيكون هناك أدب يسمى «أدب كورونا»؟

- العديد من زملائي المبدعين تناولوا هذه الجائحة بكتابات سردية وشعرية منوعة لعل أكثرها قبولا كتابة اليوميات، وهي مؤشرات أن هناك مجموعة كبيرة من الأعمال ستصدر تباعا حول هذه الأزمة الصحية الكونية، وتداعياتها على البشر والاقتصاد والحلم.

برأيك، ما دور المثقف في هذه الأوضاع.. هل بإمكانه أن يساند الإجراءات الحكومية في زيادة وعي المواطنين وتعزيز قيم الصبر والتحمل والتكافل والسلوك الترشيدي. وكيف؟

- حتما هناك دور نضالي وكبير للمثقف، لأنه يجب أن يكون عضويا بحسب مفهوم أنطونيو غرامشي، ينخرط في هموم مجتمعه ويشتبك معها، ويكون عونا في صياغة الحل لا صياغة المشكلة. المثقف بحكم قلمه ولوحته وإزميله ومخياله، وأدائه التمثيلي والمسرحي، قادر على التعبئة والتوعية وشحن الناس بفيتامينات الحب والتعاون الجمعي. وبالفعل، كان هناك دور كبير للمثقف في سياق ذروة الجائحة في المواقع والمنصات الإعلامية، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وقد عملنا في رابطة الكتاب الأردنيين على هذه التوعية والتعبئة من أجل انتصار الحياة والأمل.