قرأت مؤخراً كتاب «زيد بن شاكر من السلاح إلى الانفتاح» الذي روت صفحاته شريكة دربه السيدة نوزاد الساطي، التي لنا في إربد نصيب منها حيث عاشت سنوات من صباها هناك، وعرفت تل إربد، وشربت من ماء راحوب، وارتقت ظهر التل، لتلقي العلم من مدارسه مما يؤكد أن الأردنيات شريكات في بناء الأردن على أسس راسخة منها العلم وأولها الإيمان بالأردن وطن الدور والرسالة، كما أراده الأباء المؤسسون للدولة الأردنية، الذين يذكر الكتاب بالكثير من القيم التي آمنوا بها.

أعادتني قراءة الكتاب عقودا من السنوات، عندما كنت في عنفوان الكتابة التي لا تعرف السقوف عندما يتعلق الأمر بالأردن، وفي تلك السنوات كان الشريف زيد بن شاكر ملء السمع والبصر قائداً عاماً للقوات المسلحة الأردنية، وكان جدول أعماله مزدحما بالمهام، فقيادة الجيش هي الموقع العسكري والأمني الأهم, ومع ذلك كان الشريف يتابع أدق تفاصيل ما يجري، عرفت ذلك عندما اتصل بي «روشان» ليبلغني أن سيادته يريد أن يراني في مكتبه مساء غد، ولكم أن تتخيلوا الأسئلة التي طرأت على خاطر شاب في أول العمر, وما الذي يريده منه قائد الجيش إلى أن دلفت إلى مكتبه، وكان منتصبا بقامته الممشوقة ولياقته المتميزة، ترتسم على وجهه ابتسامته الهادئة، التي لا تخفي مسحة الحزن الجليل على وجهه فتزيده بهاء على بهاء ووقارا على وقار.

غادرت اللقاء بشحنة لا تنضب من الحماس للدفاع عن ما آمنت به، وها أنا اليوم استرجع تلك الواقعة بعد كل هذه السنين، لأقول أن الرجال الذين بنوا الدولة الأردنية، ودافعوا عنها وخاضوا كل معاركها السياسية والعسكرية أمثال «أبو شاكر» كانوا يجدون وقتاً للبحث عن الطاقات التي يمكنها أن تسهم في خدمة المشروع الوطني الذي يحملونه، ويبحثون عن كل من يمكن أن يؤدي دوراً ولو صغيرا في تحقيقه، لذلك لم ينظر «أبو شاكر» وأمثاله من رجال الدولة إلى مواقعهم الوظيفية على أنها تشريف يخافون أن ينافسهم عليه أحد فيبعدونه، كما يجري في هذه الأيام، بل كانوا يتصرفون على أنهم مكلفون بمهمة لابد من أدائها على أكمل وجه، لذلك كانوا يبحثون عن كل من يمكنه أن يعين على أدائها، كما كان يفعل الشريف وهو في الجيش، ثم عندما انخرط بالعمل السياسي فأهدى الأردن أنزه انتخابات نيابية، صار الوصول إلى مستواها هدفاً وطنياً، ومثلما فعل وهو رئيس للديوان الملكي، وحيثما كان مما لم يحن وقت البوح به.

كثيرة هي الخواطر التي تداعت إلى خاطري وأنا أقرأ كتاب زيد بن شاكر، الذي يشكل في الكثير من محطاته إضاءة مهمة لصفحات من تاريخنا الوطني عسكرياً وسياسياً، لابد من أن يعرفها الأردنيون خاصة الشباب لأنها مصدر إلهام واعتزاز وطني، فالكتاب يسد ثغرة هامة من ثغرات هذا التاريخ، خاصة في ظل الحقيقة التي أشار إليها الكتاب، وهي أننا نمارس حياء غير محبب في تقديم روايتنا الأردنية للأحداث، مما ألحق ظلماً كبيراً بمواقفنا خاصة في ظل الافتراء الإعلامي الذي كان البعض يمارسه ضدنا ومازال، مما أشار إليه الكتاب الذي يستحق المزيد من الوقفات للاستفادة من مضامينه.