منذ يومين ساقتني الضرورة إلى عمّان الشرقيّة؛ (بعد تقصير كبير)مردّه الإنشغال بالحياة التي تشاغلنا تلهينا عن أعزّ الأعزّ، تتلاعب بنا بين أطرافها. ترفعك بيديها أو تدحرجك كما اللاعب بقدمه كالكرة، وأنت يا أنت.. لا حسّ ولا خبر، لا رأي لك في كينونتك في وضعك. بعد أن تنتهي لعبة الحياة وتمارينها عليك ككرة قدم أو كيس ملاكمة... تتركك تهجرك تسحب رصيدها منك. كما يهجرون الكرة في قعر مستودع، و يفرغون كيس اللكم من محتواه، يصبح في أجولة النسيان.

معذرة عن انشغالي عنك يا عمّان في شرقها الجميل الأعزّ الأغلى، حتّى ولو كانت أراضيه وعقاراته أقل سعرًا ممّا في غربها!!.. الذي ربّما فرق أسعار كلّ شيء فيه مردّه... ربّما أنّها؛ أقرب إلى البحر الأبيض بميلين عن شرقها، أو لربّما تعتبر ذاتها الأقرب إلى السّماء بما يضفي عليها بركة زائدة و مزيدًا من التقًى والورع وكبرياء الثراء. لا فرق بين الإنسان هنا والإنسان هناك فوق في غرب عمّان.. ستفاجئ أن لهم (أيضًا) انوف وعيون وآذان وقلوب تنبض.. تماماً كما هناك في الغرب. وفِي الغرب عادة؛ يزرع الورق ليزهر بنكنوتًا أخضر، زِواقًا للوجوه لكن ككلّ زواق؛ لن يخفي ما تحته، بل سيظهر ولو بعد حين.

ما علينا. في طريقي إلى جبل الأشرفية؛ الأعلى بين جبال عمّان، والذي يكلّل تاجها، يحتضنها منذ آدم، والتي اسمها.. على كسمها (أشرفية..أشرافيّة)، بمعنى مُشرفة... مشرّفة أوشرفية.. لا فرق؛ مررت على جبل الزهور، رأس العين والورش الجبلية التي جادت على عمّان بأبنيتها وطرقاتها، من يدري!! قد يكون الرومان قد بنو مدرجهم أعمدتهم وحضارتهم هنا...منها. أسماء الأماكن في ماضينا أطلقها جدودنا العظماء من واقع ما يرونه يشعرون به... تصفها وتدلّ عليها. كانت تسود قبل أن ينتشر البناء بعيدًا كجبل الزهور وراس العين، كما؛ أمّ السّمّاق ودير غبار في الغربيّة!!.

عُيّنت كأول مدير منطقة تتبع أمانة (العاصمة) عمّان، كانت تشمل حوالي نصف عمّان من شرقها، من النظيف حتّى جسر النصر. ذهبت بالأمس إلى الأشرفية في زيارة تخصّني عبر طلوع المصدار ومنه إلى الأشرفية.

مناطق عزيزة عليّ عشتها وعايشت أهلها البسطاء العاملين بكدّ وسط الشوك. حفظت أماكنها عن ظهر قلب، أسماء الشوارع والأحياء وأسماء العديد من سكّانها من كانوا يتعاملون مع البلدية/مديرية المنطقة الثانية يومها...وكلّ من سكن هناك لا بدّ سيتعامل.

مررت بالشوارع الرئيسية التي يقولون أنّها قد ضاقت بما فيها..بمن فيها. وجدت الطرقات على نفس السعة نفس العرض، لكن بخلق كثير. وجدت الشوارع والطرقات التي عرفتها عشتها عايشتها هي... هي، تعجّ بالحياة بالحنين مع فارق بسيط... فقد اتّسعت على ضيقها لاستيعاب أبناء الحيّ الكثيرين.. أبنائها.

طفقت أبحث عن بناية مديريتنا..لم أعثر عليه وسط العمائر الكثيرة التي نشأت هناك. سألت عن أبي فلان.. وجدته قد رحل، وأبي علتان قالوا أنّه أُغلِق حانوته واعتكف. شرق عمّان...أصل عمّان مع البيوت على سيلها في الجوفة في التاج في النصر. أهلها چدعان كما كانوا صابرون.. كما كانوا، لكن يعتبون علينا... قلّة زيارتهم، من الأهل في الغربية الشمالية الجنوبية، والمسؤولين الكبار.

قالوا أنهم يشعرون أنهم مهمّشون.. منسيون. لا تذكر أسماء شوارعهم كما دواوير غرب عمّان، ولا ترشّ شوارعهم بالطيب والياسمين قبل مرور موكب وزير أو وكيل أو حتّى مختار.

لكن تبقى عمّان... هي عمّان باتجاهاتها الأربعة. عمّان... يا عمّان، جوهرة التاج وعلامة التاريخ والعزّة والوطنية والكرامة.