أ.د. جودت أحمد المساعيد خبير المناهج وطرق التدريس

يمكن تطوير أساليب تدريس الطلبة الموهوبين بوسائل وطرق مختلفة يتمثل أهمها في تكيف المعلم مع الخصائص الذهنية لهم،حيث القدرة على التفكير المجرد، وتعلم الحقائق المعقدة، والحاجة لاكتشاف الأشياء المختلفة في ضوء البحث العميق والمتواصل عنها، وتعلمهم بأساليب مختلفة عن أقرانهم العاديين، وأن لديهم حاجاتٍ أكاديميةٍ خاصة بهم تتطلب من المعلم الاستعداد والتكيف معها من أجل تلبية تلك المطالب بالأنشطة والواجبات الصعبة، والتعامل مع المشكلات والقضايا التي تحتاج إلى التفكير العميق والسريع والدقيق في وقتٍ واحد.

كما يجب تطبيق مبدأ المنحنى الطبيعي بين الطلبة الموهوبين، فليس من المعقول أن يتم طرح الأنشطة والواجبات نفسها لجميع هؤلاء الطلبة المختلفين من حيث القدرات والاهتمامات والحاجات، كما أن الطالب الموهوب لن يشتكي ولن يقاوم إذا ما طلب منه المعلم تكملة واجب آخر أكثر صعوبة من واجب زملائه العاديين. إضافة إلى ذلك، فلا بد أيضاً من تطبيق إجراءات تقييم غير رسميةعلى طلبة الصف جميعهم على أسس عادية. فمثلاً، وقبل البدء بتدريس أي وحدة تعليمية جديدة، فإنه يستحسن تطبيق الامتحان القبلي على الطلبة، والذي يدور حول محتويات تلك الوحدة، بحيث من يحصل منهم على نسبة 80% فأكثر في ذلك الامتحان يُعفى من تعلم محتوى مادة لديهم معلومات متميزة عنها. وبدلاً من ذلك، يُعطى مثل هؤلاء الطلبة مادة تعليمية تتحدى تفكيرهم مثل إكمال مشروع ذاتي حول موضوع يقع ضمن مجال اهتماماتهم، أو التسجيل في مقررٍ دراسيٍ جامعي.

ومن الأمور المهمة الأخرى في هذا الصدد،الإلمام بالأفكار التي اقترحها كل من بياجيه وبلوم، حيث طرح بياجيه وصفاً مفيداً لمراحل النمو الإنساني وربطها بعملية التعلم. فالطلبة الموهوبون غالباً ما يكونونفي مرحلة العمليات الرسمية التطويرية، وهم بحاجةٍ إلى أنشطةٍ تعلميةٍ ضمن المستويات العليا من تصنيف بلوم للأهداف كالتحليل والتركيب والتقويم. ونظراً لمرور وقتٍ طويلٍ على ظهور أفكار بياجيه وبلوم، فإن على المعلم أن يوجه الطلبة الموهوبين إلى بعض المواقع المتخصصة على شبكة الانترنت للقراءة المتعمقة لهذه الأفكار التربوية المهمة. وفي الوقت نفسه ينبغي اللجوء إلى أولياء الأمور كمصادر معلوماتٍ مهمةٍ عن حاجات هؤلاء الطلبة واهتماماتهم ورغباتهم.

ويبقى التعلم عن بُعد وعلى رأسه التعلم الالكتروني، من بين أفضل الفرص المتاحة لكل من المعلمين وأولياء الأمور، وأصبح انتشار البرامج المتنوعة والخاصة بالرياضيات والكتابة ووجود المقررات الدراسية للمرحلة الثانوية والجامعية على المواقع الالكترونية المختلفة،من بين أفضل الفرص المتاحة أمام الطلبة الموهوبين للتعويض عن عدم وجود المنهج المدرسي الذي يقود إلى التحدي وإلى المستويات الصعبة التي يميل إليها هؤلاء الطلبة، والذين يشعرون بالملل والإحباط من السير مع الطلبة العاديين في موضوعاتٍ منهجيةٍ تراعي قدرات الطلبة العاديين بالدرجة الأساس.

ومن بين الخيارات الأخرى أمام معلم الموهوبين تطبيق أسلوب التسريع، وذلك عن طريق السماح للطلبة بالحضور في الصفوف مع أقرانهم ممن يتشابهون معهم بالمستوى، وليس ممن يتقاربون معهم بالعُمر. فإذا كان الطفل في سن العاشرة قادراً على تعلم مادة الجبر، فلماذا يتم إجباره على دراسة مادة الرياضيات العامة مع تلاميذ الرابع الأساسي. ومع ذلك، فإن الكثير من المعلمين من ذوي الخبرة الطويلة يشعرون بالقلق من قفز هذه النوعية من الطلبة عن أشياء وأمور كان من المفروض دراستها ويتم توجيههم إلى منهج مخصص لطلبة أكبر منهم عمراً وأطول منهم خبرة.

ومع ذلك، فليس من المقبول في عصر المعلومات اللامتناهي، بأن تصبح الفرص التعلمية للطفل الموهوب مربوطة بعمره الزمني، أو بأصله العرقي، أو بأي عامل من العوامل الأخرى، مع تجاهل تام لعمره العقلي، وقدراته المتميزة، وحاجاته المتنوعة. فعلى التربية تهيئة الفرص التعليمية الحقيقية لجميع الطلبة وعلى رأسهم الموهوبين. فإذا كان هناك تلميذ لديه القدرة والإمكانية للالتحاق بمقررات الصف الخامس الأساسي وهو في صف أدنى من ذلك، فما على المعلم إلا التعاون مع جميع معلمي الخامس الأساسي لإتاحة الفرصة له للقيام بالمهمة تحت إشرافهم. فهناك العديد من الأدوات والمقاييس الخاصة بعملية التسريع، والتي يمكن لها مساعدة المعلم والطالب في تحديد ما إذا كان بإمكان ذلك الطالب الالتحاق بمقررٍ دراسي أو أكثر من مقررات صفٍ أو أكثر من الصفوف الأعلى.

ويقع العديد من معلمي الطلبة الموهوبين بمجموعة من الأخطاء عند تدريسهم لهذه الفئة المتميزة، ولكن عليهم ألا يصابوا بالإحباط، لأنهم لم يجدوا في الواقع من يرشدهم إلى تجنبها، بل تعرفوا إليها عن طريق الخبرة. وتتمثل أهم هذه الأخطاء في الطلب من التلاميذ الموهوبين تدريس أقرانهم العاديين، فهم يتوقعوا منهم إدراك الأمور والربط بينها بسرعة. ومثل ذلك قد يحدث أيضاً عندما يعمل الطلبة معاً في مجموعات مختلفة. فوضع طالب موهوب مع طلبة عاديين، سيؤدي إلى المرور بتجربة مؤلمة لجميع الأطراف المشتركة فيها. ومن الممارسات الخاطئة أيضاً إعطاء الطلبة الموهوبين الذين يكملون الواجبات المطلوبة منهم أعمالاً إضافية جديدة. فإذا أنهى الطالب الواجب بسرعة ودقة، فقد يعني ذلك بأنه واجب سهل للغاية. وهنا يفضل أن يتم تزويده بواجبٍ فيه نوع من التحدي والعمق وليس واجباًيسهل عليه إتمامه بسرعة فائقة.

وهنا، فإنه ينبغي على معلم الطلبة الموهوبين تهيئة الفرص التعلمية الملائمة لقدراتهم وحاجاتهم، بحيث ينطلقون إلى الأمام من مستواهم الحالي. ومهما كانت خبرتهم في المدرسة التي يلتحقون بها، فإنهم بحاجةٍ ماسةٍ إلى الوقت الكافي حتى تتولد الثقة في معلميهم. لذا، فإنه ليس من المستغرب أن يتغيروا في أنماط سلوكهم من حينٍ لآخر، مما يتوجب على المعلم أن يكون متجاوباً معهم بشكل إيجابي، فقد يكون ذلك المعلم من بين أوائل المعلمين الذين قدموا لهم الفرصة الحقيقية للتعلم السليم، وعليه عدم الوقوع في الخطأ بالقول: أن هذا الطالب أو ذاك غير موهوب، وذلك لأنني كلفته بواجبٍ صعبٍوفشل فيه. فليس المطلوب دوماً من الطلبة الموهوبين العمل من أجل النجاح، بل ينبغي أن يعطوا الوقت الكافي لنموهم العقلي والتعمق في الموضوعات المختلفة.

ولا ننسى أهمية اللجوء إلى المصادر الخارجية، إذ أن المعلومات والمعارف المتاحة عن الموهوبين تظل غزيرة للغاية، ويمكن للمعلم الناجح استغلالها والاستفادة منها. كما أنه توجد منظمات وجمعيات علمية ومعاهد متخصصة يمكن الرجوع إليها كمصادر خارجية مهمة حول تربية الموهوبين والمتفوقين. ويمكن للمعلم الدخول إلى مواقع هذه المؤسسات والجمعيات المتخصصة على شبكة الانترنت وتوجيه الأسئلة التي تجول في خاطرهِ حول الطلبة الموهوبين، وسوف يتلقى الإجابات الشافية وبعض المطبوعات المجانية وغير المجانية والكتب والدوريات المهمة، والتي يمكن تشجيع المدرسة التي يعمل فيها على شرائها ووضعها ضمن مقتنيات المكتبة المدرسية، وتوجيه الطلبة وتشجيعهم على الدخول إلى المواقع الالكترونية التي تُعنى بالموهوبين وحاجاتهم وبرامجهم ومشكلاتهم وكيفية تدريسهم وتحقيق طموحاتهم في العمل المتميز والأداء العالي، للاستفادة منها في مشاريعهم البحثية المختلفة،أوفي حل المشكلات التي يتصدون إليها.

profjawdat@yahoo.com