د.يوسف عبدالله الجوارنة أكاديمي أردنيّ - جامعة طيبة

«فترة الحضانة» (incubation period) -كما في «معجم مصطلحات كوفيد19»، الصّادر حديثاً عن «مكتب تنسيق التّعريب» في الرّباط- من مصطلحات كورونا؛ ويراد بها: «الوقت الذي يستغرقه ظهور الأعراض على الشّخص المصاب، وتعدُّ هذه الفترة مهمّة وحاسمة للوقاية والسّيطرة على المرض، إذْ تسمح لمسؤولي الصحة باتخاذ قرار الحَجْر الصّحّي، أو مراقبة الأشخاص الذين تعرّضوا للفيروس. وتمتدّ حضانة الفيروس من يومين إلى أربعة عشر يوماً، حيث تظهر الأعراض بعد خمسة أيام من الإصابة في معظم الحالات».

ويتّصل بهذا المصطلح مظهر من مظاهر (كورونا) وحركيّته في المجتمعات، ذلكم هو جفافه (نشافه) وموته؛ إذْ تحرص الكوادر الطبيَّة في الدّول على محاصرته ووأده، من خلال جملة من شروط الصحّة والسّلامة العامّة، للحفاظ على المجتمعات من تفشّي المرض وانتشاره فيها، وإطاحته بالنّاس وتَغْييبهم عن الحياة. ويتّصل بهذا المصطلح مصطلح آخر تحدّثت عنه في مقال سابق، هو «خلّيك بالبيت»، أو «الزم بيتك» (Stay at home)، وهما يكمّل أحدهما الآخر؛ فإنَّ الالتزام في البيوت في فترة الحضانة يقلّل من خطر الإصابة بالمرض، ويجعل المجتمع خالياً من طغيانه وانتشاره.

وهنا أستذكر ما قاله وزيرُ الصّحة الأردنيّ، د.سعد جابر، في إيجازه الصّحفيّ اليوميّ حول وباء (كورونا)، مساء الخميس (26/3/2020)، وقد سُجّلت في الأردنّ أربعون حالة، منها ست وعشرون في مدينة إربد، وأربع عشرة حالة في العاصمة عَمّان- قال وقد عَلَت محيّاه صُفرةٌ، وحُبست الدّموع في مآقيه: «إذا جلسنا والتزمنا في البيوت لمدة أسبوعين -وهي مُدَّة حَضانة المرض- فالمرضُ (بِنْشف وبِموت)». والشّاهد فيه دخول (الباء) على المضارع بعد سقوط حرف المضارعة.

واستعمالُ الطّبيب لهذا الفعل في سياق (كورونا)، امتدادٌ لحركيَّة استعماله في الحياة العامَّة، من ذلك: نَشَّفت الدّابَّة إذا فَرَغَ ضَرْعُها وجَفّ، مع أنَّ تَنْشيف النّاقة الحَلوب –في المعجم- يعني أنّها كثيرة اللبن مرّة وليس في ضَرْعها شيءٌ مرَّة أخرى. والمِنْشَفة والنَّشّافة: الخِرْقة أو الفوطة التي يُنشَّفُ بها الماء (المنديل/ البشكير)، ويقال للمرء إذا خاف وتغيَّر لونُه: نِشِف (بكسر الأوّلين)، أي جَفَّ ماءُ الحياة فيه، وللمَعاصِر (جَمْع مِعْصرة، وهي جِرانٌ صغيرة محفورة في الصّخور) الممتلئةِ ماءً، إذا جَفَّ ماؤها: ناشْفة (بإسكان الشين)، وللأرض التي لا رِيَّ فيها: نَشَاف (بفتح الأوّلين)، أي: جافَّة.

والفعلُ -كما في المعاجم- في مادة (ن ش ف)، وتَصْريفه: نَشَف يَنْشُف نَشْفا، من باب (نَصَر)، ونَشِفَ يَنْشَفُ نَشَفاً، من باب (فَرِحَ)، وكلاهما بمعنى: جَفَّ ويَبِس؛ يقال: نَشَفَ الثَّوب: جَفَّ، ونَشَفت الأرض ونَشِفَت: جَفَّت؛ فالمصدر: النَّشْفُ (بالتّسكين)، والاسمُ: النَّشَفُ (بالتّحريك).

وأصلُ النَّشْف (بالتّسكين) –كما يقول الخليل في «العين»- دخولُ الماء في الأرض والثّوب، وفي «الصّحاح»: نَشِفَ الثَّوبُ العَرَقَ، ونَشِفَ الحَوضُ الماءَ يَنْشَفُهُ نَشْفاً: شَرِبه. وفي «الأساس»: نَشِفَ الماءُ بنفسه: نَضَب، وغديرٌ ناشفٌ لا ماء فيه، ومن المَجاز: نَشِف مالُه: ذَهَب. وفي «اللسان": أَرضٌ نَشِفَة (كفَرِحَة): بَيِّنة النَّشَف (بالتَّحريك)، إِذَا كَانَتْ تَنْشَفُ الماءَ، أي: تَشْربه، أو يَنْشَفُ مَاؤُهَا، بمعنى: يَجفّ. وفي «الصّحاح": النَّشَفُ (بالتَّحريك) حجارة الحَرَّة، وهي سودٌ كأنَّها مُحْترقة، واحدته نَشْفَةٌ (بالتّسكين)، وهي الحجر ذات النّخاريب (الشّقوق) التي تُدْلك بها الأرجل، وسُمِّيَت بالنَّشْفة -كما في «المقاييس» و«الأساس»- لانتشافها الوَسَخَ وتَنْقيته عن مَواضعه في الحمّامات، قال في «النّهاية": «إِذا تُركت –أي الحَجَر- على رَأس الماءِ طَفَت ولم تَغُص فيه».

وعليه، فإنَّ معنى نَشْفِ (الفيروس) في خطابِ الوزير جَفافُه، وجَفافُه مَوْتُه؛ إذْ لا يَقْوى على الحياة. وتَنْشيفُه: تَجْفيفه بالتّحصُّن منه والاعتزالِ عنه في البيوت؛ فـإنَّ «التّباعد الشّخصيّ (الجسديّ)»، أو «الاجتماعيّ»، وسيلةٌ مُثلى للقضاء عليه والتّخلّص منه.

واستعمالَ الفعل (بِنْشَف) في العاميَّة، ويُراد به المضارع (يَنْشف) في الفصيحة، يُذكّرنا بلهجة عربيَّة قديمة تُنْسب لقبيلة (بَهْراء)، يُطلق عليها (التَّلْتَلة)، وهي ظاهرة لَهْجيَّة تَعْمد إلى كَسْر حَرْف المُضارعة، فيقال: أنا اِعلم، ونحن نِعْلم، وأنت تِعْلم، وهو يِعْلم. ولغة الحجازيين بالفتح، وعليها القرآن الكريم. وقد أرجع د.رمضان عبد التّواب (ت. 2001م) هذه الظّاهرة في كتابه «فصول في فقه العربيَّة» إلى اللغات السّاميَّة، وأنَّ لها امتداداً في بعض اللهجات العربيَّة القديمة، وفي اللهجات العربيَّة المُعاصرة، قال في التَّدْليل على أصالة كَسْر حرف المُضارعة، من ذلك استمرارُه في اللهجات العربيَّة الحديثة كلّها، كقولك: «مين يِقْرأ، ومين يِسْمع»، بِكَسْر حَرْف المُضارعة في لغة التّخاطب، ومنه ما جاء على لسان الوزير في إيجازه، من استعمال الفعل بحذف ياء المضارعة، مسبوقاً بحرف الجرّ (الباء).

وإنّه عند إسناد هذا الفعل وغيره إلى الضّمائر في اللهجات المعاصرة، يظهر حرف المضارعة مع بعضها ويختفي مع بعضها الآخر بعد حرف (الباء) الدّاخلة على المضارع، وهي باءٌ يُراد بها توكيدُ حدوث الفعل في زمن المتكلّم، قال د.شوقي ضيف في كتابه «تحريفات العاميّة للفصحى": «وكأنَّ العاميَّة زادت الباءَ مع الفعل المضارع، إحساساً منها بأنَّها تأتي في مواضعَ مختلفةٍ من الكلام للتأكيد فأكَّدته بها»، وذهب إلى أنَّ هذه الباء قد تكون مختزلةً من كلمة (بَدّي) في العاميّة. وفي ما يأتي إسناد الفعل إلى الضّمائر المختلفة على النّحو الآتي.

أولاً: حذف حَرف المُضارعة بعد حرف الباء

- إذا أُسندَ الفعلُ إلى غائب (مفرد مذكّر): هو بِنْشف، بِموت، وكذا: بدرس، بِكتب، بِحْرث، بِزْرع، بغنّي، بصلّي، بِرْعى، بِألّف... إلخ.

- إذا أُسندَ الفعلُ إلى متكلّم مفرد (مذكر/ مؤنّث): أنا بَنْشف، بَموت، وكذا: بَدرس، بَكتب، بَحْرث، بَزْرع، بَغنّي، بَصلّي، بَرْعى، بَألّف.. إلخ.

- إذا أُسند إلى الغائب (مثنّى وجمعاً): هما/ هم بنشفوا، بِموتوا، وكذا: بدرسوا، بكتبوا... إلخ؛ إذْ يستوي الفعل في التّصريفين بضمير الجماعة، ويُضاف إلى ذلك حذفُ نون الإعراب.

- إذا أسند إلى الغائبة (مثنّى وجمعا): هما/ هنَّ بنشفن، بموتن، وكذا: بدرسن، بكتبن... إلخ؛ إذْ يستوي الفعل في التّصريفين بضمير النّسوة، ويُضاف إلى ذلك إسكان نون النّسوة.

ثانياً: ظهور حرف المضارعة بعد الباء

- إذا أُسند إلى مُخاطب (مفرد مذكّر) وغائبة (مفرد مؤنّث): أنتَ/ هي بتنشف، بتموت، وكذا: بتدرس، بتكتب، بتحرث، بتزرع، بتغنّي، بتصلّي، بترعى، بتألف... إلخ.

- إذا أُسند إلى مُخاطبة (مفرد مؤنّث): أنتِ بتنشفي، بتموتي، وكذا: بتدرسي، بتكتبي، بتحرثي، بتزرعي، بتغنّي، بتصلّي، بترعي، بتألفي،...الخ. ويُضاف إلى ذلك حذفُ نون الإعراب.

- إذا أُسند إلى المتكلّمين أيضاً: نحن بننشف، بنموت، وكذا: بندرس، بنكتب، بنحرث، بنزرع، بنغنّي، بنصلّي، بنرعى، بنألف.

- إذا أُسند إلى المخاطب (مثنّى وجمعاً): أنتما/ أنتم بتنشفوا، بتموتوا، وكذا: بتدرسوا، بتكتبوا... إلخ؛ إذْ يستوي الفعل في التّصريفين بضمير الجماعة، ويُضاف إلى ذلك حذفُ نون الإعراب.

- إذا أُسند إلى المخاطبة (مثنّى وجمعاً): أنتما/ أنتنّ بتنشفن، بتموتن، وكذا: بتدرسن، بتكتبن،...الخ؛ إذْ يستوي الفعل في التّصريفين بضمير النّسوة، ويُضاف إلى ذلك إسكان نون النّسوة.

ما أجمل العربيّة الفصحى بعيداً عن العاميّات العاديات!