بينما يعاني زملاء مهنة يعملون في الصحف المحلية، من عدم حصولهم على رواتبهم منذ عدة أشهر، تصم الحكومة آذانها، وتتصرف وكأن الأزمة في بلد آخر، وأن المؤسسات التي تعاني من ذلك العجز المركب ليست مؤسسات أردنية، وأن ما تقوم به عمل هامشي، يمكن الاستغناء عنه، وليس عملا وطنيا، يرتقي إلى مستوى الدفاع عن الوطن وقضاياه في الكثير من المفاصل.

وبعيدا عن المقارنة بين زملاء المهنة، وما يقومون به من مهام جليلة، وبين أي عامل في القطاع الخاص ممن طوّعت بعض القوانين لصالحهم ومن أجل دعمهم، لا أرى أن القضية يمكن أن تعالج بمثل هذا الأسلوب، وإنما من خلال رد الاعتبار للصحافة ككل، وللمؤسسات الصحفية والعاملين فيها. والاعتراف بداية بأن الأزمة ليست أزمة مؤسسات صحفية فقط، وإنما أزمة صحافة بكل مكوناتها، وأزمة فهم حكومي لدور القطاع.

ولا بد من الاعتراف أيضا بأن التدخلات الرسمية متعددة الأشكال في كل مفاصل القطاع، كانت السبب في نشوء تلك الأزمة، وتفاقمها إلى أن بلغت مستواها الحالي. حيث تدخلت حكومات سابقة في شكل المؤسسات الصحفية، وقامت بمصادرتها، وتحويلها إلى شركات مساهمة عامة بدلا من شركات خاصة، وتدخلت كل الحكومات اللاحقة في تعيين إدارات الصحف، وحولت الكثير من مواقعها القيادية إلى جوائز ترضية. وأمرت بتعيينات إضافية في تلك المؤسسات بأضعاف ما تحتاجه فعلا. وضخمت كوادرها الإدارية والتحريرية إلى مستوى التخمة. وساهمت إداراتها في مضاعفة أعداد العاملين، وكافأت الكثير من المقربين بمناصب ورواتب، وحولت العديد من العاملين في مهن مساندة في قطاع الخدمات إلى صحفيين، وإلى إداريين في شتى المواقع.

وفي مسار مواز، لم تفرق الحكومات بين المؤسسات الصحفية وغيرها من المؤسسات التجارية في مجال الضرائب والرسوم، حيث فرضت رسوما جمركية على مدخلات الإنتاج بما فيها الورق والحبر، وأخضعت دخلها إلى ضريبة الدخل، وإيراداتها الإعلانية إلى ضريبة المبيعات، ومختلف الضرائب الأخرى.

أما بالنسبة للإعلانات الحكومية، فعلى الرغم من أهمية الخطوة التي اتخذتها الحكومة بضغط من النقابة، والمتمثلة برفع تعرفتها بنسبة 120 بالمئة، من خلال رفع سعر الكلمة من 25 الى 55 قرشا، ما زالت إيراداتها متواضعة جدا مقارنة بكلفتها، وبحاجة المؤسسات المادية المتصاعدة.

كل ذلك لا يلغي مسؤولية إدارات الصحف في تفاقم الأزمة، نتيجة لسوء في الكثير من الجوانب الإدارية، ما أدى إلى بلوغ الأزمة إلى ما وصلت إليه راهنا.

أما المطلوب هنا، فيتمثل بإجراء دراسة معمقة لإشكاليات الصحف، ومراعاة المقترحات البناءة التي طرحتها نقابة الصحفيين، ومن أبرزها تأسيس صندوق دعم الصحافة، الذي يفترض أن يبنى على أسس سليمة تضمن استمرار متانته المالية، والحفاظ على استمرارية الصحف، كمؤسسات وطنية لا غنى عن أدوارها في مختلف قضايا الوطن.

وفي الوقت نفسه أن تعمل المؤسسات الصحفية على تطوير محتواها، بما يشكل إضافة نوعية مختلفة عن وسائل التواصل الاجتماعي. وبحيث تعيد للصحافة دورها الطليعي، وللصحفيين الحقيقيين مكانتهم الوطنية.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com