يبدي المجتمع الأردني حماسًا كبيرًا للاشتباك مع قضايا الإقليم والعالم، فالمتابع للنقاشات الدائرة في الشارع الأردني المنقسم مؤيدًا ومعارضًا مع كل ملفات الإقليم والمشتبك مع كل مستجداته ايجابياً، سيلاحظ فتور الأردنيين اتجاه قضاياهم وملفاتهم الخاصة كالفقر والبطالة والإصلاح، والابتعاد عن نقاش تفاصيلها، وميلهم لاختزالها وتسطيحها بتهم الفساد العريضة، وعبارات العبث وفقدان الامل المرسلة، فلماذا يفعل الأردنيون هذا؟

قبل الإجابة ممكن أن نشير الى أن لملف آيا صوفيا -كنيسة، ومسجدًا، ومتحفًا- تفاصيل وأبعادا كثيرة، يختلط فيها الإقليمي مع المحلي التركي والتاريخي، وللإجابة عن سؤالنا -في الشأن الأردني- يهمنا من كل هذه التفاصيل ما يخص المشروع الاقليمي التركي في المنطقة، فتركيا تبحث لنفسها منذ سنوات عن كرسي على طاولة الكبار ولو على المستوى الإقليمي، وتتحرك لتنفيذ هذا الهدف في اطار مشروع وطني تركي يرتكز على تنظير تاريخي وسياسي اعتمد فكرة » قوس الاسكندر» فمن بوابة التاريخ العثماني يمكن للنفوذ التركي أن يتغلل في المشرق العربي وحوض المتوسط والبلقان وآسيا الوسطى، و هذا يمنح أنقرة أوراق مساومة وضغط تفيدها على طاولة القوى الكبرى، وبكل بساطة كلما سحب القوس للخلف كان مدى السهم الى الأمم أكبر.

ولخدمة هذه النظرية أعادت أنقرة احياء تراثها العثماني في الداخل والخارج معًا، فهي كما تخاطب شعوب المنطقة تخاطب مواطنيها لتجند الجميع في خدمة مشروعها والتسويق له، وذلك يفسر أدوات خطاب الرئاسة التركية، فاستعمال مصطلح » أمانة الفاتح» للدلالة على المسجد، رمزية كبيرة في بناء الهوية والشخصية التركية، وربط هذه الخطوة بعد ذلك بتحرير المسجد الأقصى ورفع الظلم باعتبارها أدوات أنقرة لتصدير مشروعها للمنطقة والترويج له بمعية الأستانة – آخر دولة جامعة في تاريخ المسلمين- وبين هذه الدلالات والتفاصيل تكمن الإجابة عن سؤالنا.

اشتباك الأردنيين مع قضايا الإقليم وتطوراتها علامة عافية لا مرض، فهي تعكس وعي المواطن بقضايا الامة وهمومها، لكن فتوره اتجاه ملفاته الوطنية يكشف العلة، وهي غياب المشروع الوطني المستند الى تنظير سياسي وتاريخي واضح، فالحكومات المتعاقبة فشلت في خلق مشروع أردني واضح المعالم ومتجانس مع الهوية الوطنية، كذلك النخب الأردنية السياسية والثقافية لم تنجح في ذلك، وغياب هذا المشروع دفع الأردنيين الى التفاعل مع مشاريع الاخرين وأبرز أحزابا تستند الى مرجعيات ايدولوجية وسياسية خارج الحدود، وقسم الشارع الأردني بين معارض ومؤيد لمختلف الأطراف في ملفات الإقليم عمومًا والعالم كذلك والامثلة على ذلك كثيرة، كالملف السوري واللبناني والمصري والتركي ايضا.

هروب الأردنيين الى قضايا الإقليم ومشاريع الاخرين، يعكس صعوبة التحديات الداخلية والحاجة الماسة للمشروع الوطني المتناغم مع الشخصية والتراث الأردني بطموحاته وأهدافه وأدوات التعبير عنه ونخبه وتنظيره ايضًا، ليكون قادرًا على توحيد الشارع خلفه ونقل الاشتباك والاصطفاف الى الداخل بدل الخارج، فاشتباك المجتمع مع قضاياه واهتمام الرأي العام بها علامة على قوة الدولة ومتانة جبهاتها الداخلية، ورصيد لها في مواجهة تحدياتها الخارجية والداخلية.

ai Saifalrawashdeh0@gmail.com