د.أيوب أبودية (كاتب أردني)

شبّ أبو عثمان الجاحظ (775-869 م)، العربي الكناني، في عائلة فقيرة بالبصرة في العراق جاحظ العينين، تُنسب إليه فرقة المعتزلة المعروفة بالجاحظية. عمل في دار الخلافة، وتولّى ديوان الرسائل في عهد المأمون، ولازم محمّد بن الزيات وزير المعتصم. له الكثير من المؤلفات، من أهمها في الأدب: «البيان والتبيين»، و«البخلاء»، و«الحيوان»، و«رسالة في العشق والنساء»، و«رسالة التربيع والتدوير». وفي الفلسفة له مجموعة من الأعمال، منها: «الاستطاعة وخلق الأفعال»، و«الاعتزال وفضله».

يُعدّ الجاحظ من الكُتّاب الموسوعيّين في حضارتنا؛ فيُقال إنه ترك أكثر من 350 عملاً. ولأهمية أعماله لخّص الكثيرون من الأدباء والعلماء بعض آثاره، كما فعل عبد اللطيف البغدادي في مؤلفه «اختصار كتاب الحيوان». وعندما سعى ابن قتيبة إلى محاكاة الجاحظ في أسلوب كتابته، انتهى الى تأليف مصنفه الشهير «عيون الأخبار».

وتعدّ «رسالة التربيع والتدوير» للجاحظ من الأعمال المهمّة التي أسهمت في ظهور فن المقامات في الأدب العربي. وكان المستشرق «فان فلوتن» (Van Vloten) أول من اكتشف كتاب «البخلاء». بعد ذلك، أعاد طه الحاجري إصدار الكتاب بعد تدقيقه في عام 1947 للميلاد. فما قصة كتاب «البخلاء»؟ ولماذا اهتم الجاحظ بهذا الموضوع تحديداً؟

تناول الجاحظ في كتابه أخبار المُقتصدين والمُقتّرين في العصر العباسي. ويبدو أنّ الغَرض من الكتاب كان التعامل مع البخل كمرض أخلاقي ونفسي، أو ربّما بوصفه ضعفاً في الإيمان واليقين الديني؛ لا سيّما أنّ القرآن الكريم يحضّ على الجود والعطاء، وأنّ العرب معروفون بالجود والكرم ويحثون عليه. فهل كان سبب تأليف الكتاب رداً على هجمة شعوبية ضد العرب؟

يُلاحظ من مواقف الجاحظ العامة هجومه على العنصرية، مثلما هو واضح من مؤلّفه «رسالة في فخر السودان على البيضان»، ربما بحكم لون بشرته المائل إلى السواد، وكذلك هجومه على الشعوبية الفارسية في كتابه «البخلاء»، بحكم أصوله العربية، وخاصة من الذين اعتبروا الكرم نقيصة والبخل حكمة.

وهناك الجانب الساخر أيضاً من قضية البخل، وفنون التقتير على النفس، والذي يعكس أيضاً زمن الرخاء في الحضارة العربية الإسلامية الصاعدة، أو ربما فترات اشتداد الفقر. فكان الجاحظ يحضّ على الضحك ويدعو إليه؛ مذكّراً العرب بأنهم كانوا يُسمّون أبناءهم: البسّام، والضحّاك، والسهل. والحقّ أنّ الحث على الترويح عن النفس كان سمة من سمات ذلك العصر.

فإذا بدأنا تفحص كتاب «البخلاء»، نجد أنّ الجاحظ أشار إلى شخصيات عربية معروفة في عصره، ونسب إليهم البخل، كأبي الأسود الدؤلي الذي وضع أسس النحو، والذي يعود في أصوله إلى بني الدؤل التي تعود في جذورها إلى بني كنانة؛ لقوله: «لو أطعنا المساكين في أموالنا، لكنّا أسوأ منهم حالاً»! لذلك، فالأولى إلى الاعتقاد أنه لم يقصد مهاجمة الشعوبية على وجه الخصوص، بل كان الموضوع سيكولوجياً أكثر. والدليل الآخر على هذا الاستنتاج موجود في قصة أبي يعقوب الكِندي، فيلسوف العرب، حيث تحدّث الجاحظ عن بخله بإسهاب، وروى عنه في كتاب «البخلاء» ما يلي:

«كان الكندي يقول للجيران إنّ امرأته حامل وتتوحّم، فكلما طبخ أحدكم توحّمَتْ، والوَحْمى ربما أُسقطت من ريح القدر الطيبة. لذلك، رُدّوا شهوتها بغَرفة أو لَعقة».

وهكذا، كان الكندي يحصل باستمرار على بعض طبيخ جيرانه ليقتصد في مصروف البيت. كذلك، كان الكندي يبخل في العطاء على نُسّاخ كتبه، كما هو معلوم.

وهذا ما كان يفعله أيضاً سهل بن هارون، الفيلسوف والمترجم والقصصي والأديب، فارسي الأصل، الذي تولّى مكتبة المأمون، ومن بعدها بيت الحكمة في بغداد. وله مؤلفات كثيرة، بعضها يشبه أعمال ابن المقفع، ومنها: «رسالة في البخل»؛ مما يفسّر سبب حديث الجاحظ عنه في «البخلاء»، فيوضّح كيف دافع سهل في رسالته هذه عن تقتيره، بقوله:

«ويأخذ على الناس اتهامه بخصف نعاله (أي تسميرها) وترقيع ثيابه. فيرد عليهم أنّ الترقيع فيه حزم وتواضع؛ وخلاف ذلك فيه إسراف وتكبُّر».

ويقول سهل بن هارون أيضاً، في ضرورة الحرص على الثروة:

«فمن لم يحفظ الِغنى من سُكر الغنى، فقد أضاعه؛ ومتى لم يرتبط المال بخوف الفقر، فقد أهمله».

ويُعتقد أنّ رسالة سهل بن هارون في البخل جاءت في ازدراء الكرم العربي الذي اعتبره ابن هارون نقيصة. وبما أنّه من أصل فارسي، فقد اتُّهم بالشعوبيّة وتفضيل الفرس على العرب. وربما من هنا جاء اتهام الجاحظ بهجومه على الشعوبية عبر كتابه «البخلاء»!

وبناءً عليه، فهل من الممكن أن يكون رد الجاحظ على ابن هارون من باب الانتصار للكرم العربي؛ حيث يقول الجاحظ في مقدمة كتابه «البخلاء«: «ولِمَا سمّوا البخل إصلاحاً والشحّ اقتصاداً... وجعلوا الجود سَرفَاً والأثرة جهلاً...».

فهل كان رد الجاحظ في «البخلاء» متجاوزاً نقد شعوبية ذلك العصر إلى كونه باحثاً في العلوم الاجتماعية والنفسية؟ أم ربما هدف الإشارة إلى رفضه وامتعاضه من ترف الأمراء والخلفاء بأسلوب مبطن، وعلى ألسنة البخلاء؟

أم ربما جاء اعتراض الجاحظ على ما يُؤدّي إليه التبذير من فساد وظلم ولا عدل ولا مساواة؛ كقوله على ألسنة آخرين: «لم أرَ تبذيراً قط إلا وإلى جانبه حقّ مضيّع». كذلك قوله: «إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب ماله، فانظروا في أيّ شيء ينفقه».

ومهما كان من أمر الاستدلالات التي توصلنا اليها، فالمسألة أكثر تعقيداً من الوصول إلى حكم قاطع بشأن أحدها، فقد صوّر الجاحظ في كتابه «البخلاء» الحياة الاجتماعية للناس، وانتقد الأخلاق والعادات والتقاليد السائدة بفضول علمي، وعين ناقدة، واستقراء منطقي سليم للحالات الواقعية التي أحصاها بنفسه، وتوصّل إلى ضرورة اجتناب التبذير لتحقيق العدل والمساواة، الأمر الذي من شأنه أن يحقق الاستقرار في المجتمع.