إربد- أحمد الخطيب

قال الناقد د.محمد صالح الشنطي إن البنية نسق مغلق، منظومة من العلاقات القارة في وجدان وعقل الأمة، وصاحب هذه الفكرة الذي يتكلم عن البنية يقول إن البنية بنية التخلف هي الأساس، حيث يولد الإنسان ويبرمج في المحيط الذي يعيش فيه وفق ثقافة المجتمع، وتترسخ في نفسه قيم المجتمع من عادات ومعتقدات وآراء، وتتملك في داخله، وتتحول جزء من بنيته الفكرية والعقلية.

وأشار الشنطي في محاضرته التي جاءت تحت عنوان «أسباب التخلّف وأدوات التقدم في ثقافتنا المعاصرة»، ونظمها فرع رابطة الكتاب الأردنيين بإربد، بالتعاون مع ملتقى إربد الثقافي وملتقى المرأة، مساء أول من أمس، إلى أن التيار العملي الوحيد الذي أحدث شيئا من التحول في حياتنا في عصر النهضة، بعد قرون من الانقطاع التاريخي على الحضارة العربية، كان التيار التعليمي اللغوي الذي انبثق في لبنان، في مدارس المقاصد الإسلامية ومدارس التبشير، التي أدت إلى تفصيل كثير من قواعد اللغة العربية، وأتت أكلها في بناء المعاجم وغيرها، فكانت الحصيلة في البعد اللغوي طيبة.

ورأى في محاضرته التي عُقدت في مقر ملتقى إربد الثقافي، أن بنية التخلف في مجتمعاتنا تتكوّن من جملة من السل بيات الموروثة: التنافي لا التنامي، والتآكل لا التكامل، والإلغاء لا الإبقاء، والهدم لا البناء. لافتا النظر إلى أن عملنا في الغالب محكوم بالتحفظ والحذر والمراقبة والترصد، وذلك ما يقتل روح الإبداع، وعلى الرغم مما يزعمه مفكرو الثقافة من أنه نسق مضمر في تراثنا، فإنه قابل للتغيير بدليل تلك الصفحات المشرقة في تاريخنا.

وأوضح الشنطي في المحاضرة التي أدار مفرداتها القاص د.حسين العمري، أن المشكلة تكمن في البعد النفسي، إذ إننا في أعمالنا التي نقوم بها نحتاج إلى رقيب مترصد، وإلى مراجعة دائمة وتحفظ. وتابع بقوله: «هناك قتل للروح الإبداعية في حياتنا نتيجة لهذه السمات التي تهيمن على أعمالنا، وبالتالي صار هناك نوع من التخوف، ونوع من الإحباط، ونوع من فقدان الثقة، أدى إلى من نحن فيه»، مؤكدا أن «الرقابة مطلوبة»، ولكن على أن لا تكون منزعا إحباطياً يؤدي إلى الإحباط.

وأشار إلى أن هناك من يقول إن هذا نسق ثقافي مضمر، موجود في تراثنا، امتد إلى هذه اللحظة، وأن هذه السمات التي تسمى «الشعرنة» امتدت إلى حياتنا المعاصرة، وأصبحت سمة من السمات الثقافية التي تهيمن على فكرنا المعاصر، موضحاً أن هذه السمة موجودة في البشر بشكل عام وليست مقصورة على الثقافة العربية.

وأكد الشنطي أنه لا يجوز أن ندمر المنظومة القيمية التي نعتبرها حصناً من حصوننا الثقافية بهذه المقولات، وأن النسق الثقافي المضمر الذي امتد إلى كل هذه السلبيات انتقل إلينا، ولا يمكن أن نسلّم بأن هذا النسق المغلق يأخذ بتلابيبنا حتى هذه اللحظة، فهذا نوع من أنواع الإحباط الذي يدمرنا ويدمر كل ما نتأمله في المستقبل من خلاص من هذه الأوضاع التي تسود عالمنا العربي وتشتته.

وقال إن هناك من ذهب إلى أبعد من ذلك، في تصنيف بنية التخلف، فالناس في تعاملهم وفي سلوكهم على أربعة أنواع: طائفة تمدح في الوجه وتذم في الغيبة، وهم المنافقون، وطائفة تذم في الوجه وفي الغيبة، وطائفة تمدح في الوجه والغيبة ولكن هذا الطائفة غير صادقة، وطائفة تذم في المشهد وتمدح في الغيبة وهذي طائفة الحسد، فإذا كنا مصنفين على هذه النحو فهذه مصيبة، ولكن هناك طائفة خامسة صادقة تمدح بالحق ولا تذم.

وأضاف بأن هناك تصنيفا آخر، يمثله من يسبق لسانهم عقولهم، لأنهم يتكلمون لكي يتكلمون، وتسيطر عليهم شهوة الكلام، وهناك من يتحدث لينتصر لرأيه هو ويراه حقاً ويذم رأي الآخرين، وهذه ثقافة الأنانية، وقليلٌ ما هم أولئك الذين يتكلمون بالحق ويدافعون عنه.

واستعرض الشنطي أقوال أعلام كبار في تراثنا، وعرض الاختلالات في خطابنا الإعلامي والاجتماعي والأدبي والمفاهيمي، وفي علاقاتنا بالآخر، وفي خطابها اللغوي، وعرض لآليات التقدم ممثلة في ضرورة تطوير أساليب التعلم والإقبال عليه ببهجة انضباط وتكامل، والاستفادة من تجارب الأمم، وإفساح المجال للمواهب الفردية والتحفيز والأنسنة.

وخلص الشنطي إلى أن هذه الخصال ربما تكون موجودة، فعلينا أن نتنبه لها، وأن مثل هذا التشخيص يفيدنا، ومثل هذا الحديث عن البنية أمر مقبول لكي ينبهنا لوجود مثل هذه الكارثة، لكننا لا يمكن أن نتقبّل أن كل مجتمعاتنا على هذا النحو، مؤكداً أن الحديث عن هذه البنية يحتاج إلى مناقشة ويحتاج إلى مراجعة، ولا يجوز أن نقع فريسة لبنية التخلّف.